ماكرون وتحدّيات البحث عن أغلبية للحُكْمِ

ت + ت - الحجم الطبيعي

أسدل الستار مساء الأحد الماضي على الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وأُعلن عن فوز الرئيس المنتهية ولايته، إيمانويل ماكرون، على منافسته من اليمين المتطرّف مارين لوبان بـ 58.54 % مقابل 41.46 %. وإذ يبدو الفارق بين المتنافسين كبيراً ولا يرقى إليه أيّ شكّ وأنّ فوز ماكرون لا لبس فيه، فإنّ أغلب الملاحظين ينظرون فقط لنصف الكأس الفارغ وذلك من خلال تشديدهم على أمرين اثنين، أوّلهما نسبة المقاطعة المرتفعة 28.2 ٪ أي ما يقرب من 17 مليون ناخب، وثانيهما النسبة المرتفعة التي حصلت عليها مارين لوبان 41.46 % أي ما يقرب من 13 مليون ناخب، وهذا الرقم المهمّ يمثّل تطوّراً غير مسبوق في نسبة الأصوات التي حصل عليها الحزب اليميني المتطرّف تحت قيادة مارين لوبان، أو جون ماري لوبان الأب، إذ تطوّرت هذه النسبة من 18 ٪ عام 1982 إلى 36 ٪ عام 2017 ثمّ إلى قرابة 40.5 ٪ في انتخابات الأحد الماضي.

إنّ التركيز على أنّ ماكرون الذي حصل على 18 مليون صوت ولم ينتخبه ما يقرب من 30 مليون بين معارض له وممتنع عن التصويت، هو تركيز من باب الإشارة إلى أنّ المدّة الرئاسية المقبلة للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، لن تكون سلسة وسهلة وقد تكون مسرحاً لحراك مجتمعي مربك لإدارة شؤون الدولة ومعطّل لتنفيذ الإصلاحات الكبرى التي أعلن عنها ماكرون في قطاعات التعليم والطاقة وأنظمة التقاعد.


وقبل انتخابات الأحد الماضي، وأمام ما ميّز فرنسا على مدى الخمس سنوات المنقضية من انقسام اجتماعي وسياسي واضحين كان مظهره الأساسي «حركة السترات الصفراء» والذي جاءت أزمة «كورونا» والأزمة الروسية الأوكرانية لتعمّقه، كان التساؤل الأساسي المطروح هو: هل أنّ الانتخابات من شأنها حلحلة الوضع وحلّ هذا المشكل؟!. وبعد الانتخابات جاءت النتائج وملابسات العملية الانتخابية لتؤكّد وجود هذا الشرخ المجتمعي في فرنسا ولتطرح على الرئيس المنتخب تحدّيات أكبر.


لقد تبيّن أنّ فرنسا منقسمة إلى ثلاث: يمين متطرّف ما انفكّ عوده يشتدّ ووسط يتشكّل لكنّ مخاضه عسير ويسار غاضب ورافض لكلّ عملية إصلاح من داخل المنظومة السياسية التي تحكم الجمهورية الفرنسية الخامسة، وهو يسار مازال يبحث عن وفاق حول من يتزعّمه رغم أنّ منطق الانتخاب يقول أنّ جون لوك ميلونشون هو المرشّح المنطقي.


إنّ الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة لا يبدو إذن أنّها حسمت أمر الحُكْمِ في فرنسا، وأنّ هذا الحسم سيحتاج إلى ما يصطلح على تسميته بالجولة الثالثة وهي الانتخابات التشريعية ليومي 12 و 19 يونيو المقبل، وهذه الانتخابات ستجيب بالضرورة على سؤال هو الآخر أساسي: ما هي طبيعة الأغلبية التي ستحكم بعد انتخابات يونيو الجمعية الوطنية الفرنسة؟.


فإمّا يتحصّل الرئيس إيمانويل ماكرون على أغلبية برلمانية مريحة تمكّنه من الحُكْمِ ويبقى عليه حينئذ تكوين حكومة أغلبية وطنية واسعة تمتد من اليمين الجمهوري إلى وسط اليسار، وتسهّل عليه مجابهة الأخطار الاجتماعية ومن جهة أخرى القيام بالإصلاحات الكبرى الضرورية، وهو الأمر الذي يبدو أنّ إيمانويل ماكرون أقر العزم على تنفيذه، إذ أكّد بعيد الإعلان عن نتائج الانتخابات أنّ الفترة الرئاسية القادمة ستكون أفضل من سابقتها، وأنّه سيلزم نفسه بالأخذ بعين الاعتبار حالة الانقسام التي يعيشها المجتمع الفرنسي، وسيكون رئيساً لكل الفرنسيين، أو أنّ إيمانويل ماكرون سيفشل في حصد الأغلبية فيجد نفسه مجبراً على التعايش مع حكومة أغلبية معارضة يشتد منذ الآن التنافس بين اليمين واليسار المتطرفين على من سيتزعّمها.


إنّ أهمّ الحقائق التي أكّدتها الانتخابات الرئاسية الفرنسية والتي أسلفنا ذكرها سابقاً هي الانهيار المذهل للأحزاب التقليدية التي حكمت فرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكذلك بداية بروز تناقض جديد بين «العولميين» و«السياديين» والذي من المفترض أن يكون على أنقاض التناقض بين اليمين واليسار.


ورغم أنّ الانتخابات الأخيرة لم تحسم نهائياً مسألة هذا التناقض بل هي على الأرجح غيّرت وبدّلت طبيعته، فإنّها وضعت حجر الأساس لطبيعة المرحلة المقبلة التي ستكون فيها المنظومة الديمقراطية في مواجهة أخطر وأهمّ التحديات وهي، القدرة على تنظيم الخلافات وعلى تأطير حالة الغضب المجتمعي وذلك من خلال التوصّل إلى منوال تنمية اقتصادية تضامني واجتماعي قادر على ضمان ديمومة منظومة الديمقراطية التمثيلية.


كاتب تونسي*

طباعة Email