تحديات شركات السيارات الكهربائية الناشئة

ت + ت - الحجم الطبيعي

في ضواحي مدينة بايسستر البريطانية، وعلى بعد 15 ميلاً من أكسفورد، يقع مبنى وحدة التصنيع لإحدى الشركات الطليعية في ثورة السيارات الكهربائية في المملكة المتحدة.


 حيث تجلس تحت سقف مستودع عشرات من الأذرع الروبوتية السوداء العملاقة جاهزة لإنتاج عربات النقل الكهربائية بالجملة لشركة «أرايفل»، الشركة الناشئة لصناعة السيارات الكهربائية.


بحلول الخريف، من المفترض أن يبدأ هذا المركز الناشئ في إنتاج شاحنات كهربائية لمجموعة خدمة توصيل الطرود الأمريكية «يو بي إس»، لكن العمل قد تأخر أصلاً. ولن يجر الانتهاء من تجهيز المصنع الشقيق داخل الولايات المتحدة في الوقت المناسب، وبناء على ذلك يجب أن تتحمل وحدة التصنيع في المملكة المتحدة الجزء الأكبر من عملية التصنيع لهذا العام. وتتوقع «أرايفل» الآن تصنيع 600 شاحنة صغيرة هذا العام، أقل من نصف الكمية التي وعدت بها المحللين طوال العام الماضي.


ويفترض ألا تكون الشركة وحدها في هذا الوضع. فهناك عدد كبير من الطامحين للتحول إلى مصنعي سيارات كهربائية - وبعضهم افتتح مصانع للمرة الأولى مع وفرة من التقييمات المرتفعة – يواجهون اليوم أكبر مشكلة ينبغي عليهم التعامل معها، وهي تصنيع المركبات. من شركة «نيو» الصينية إلى شركة «ريفيان» التي تدعمها آمازون، تعثرت كل شركة من تلك الشركات الوافدة المشاكسة في عالم السيارات في هذه المرحلة.


وكان من المتوقع على الدوام أن يؤدي تحول الصناعة إلى السيارات الكهربائية إلى طوفان من الوافدين الجدد، لأن القيود المفروضة على الدخول أقل بكثير على السيارات التي تعمل بالبطاريات مقارنة بأسلافها التي تعمل بالمحركات. لكن مزيجاً من تقييم مرتفع لـ «تسلا» وتسامح من السوق مع عمليات استحواذ عكسية غير مدقق بها جيداً، تتيح للشركات في أن تصبح شركات متداولة دون المرور بطرح عام أولي، أدى إلى تدافع شركات السيارات الكهربائية إلى إدراج أسهمها.


نتيجة لذلك، فإن شركات من دون أرباح، أو حتى إيرادات في كثير من الحالات، وجدت نفسها في أسواق عامة تنظر في الضوء الساطع لمجتمع المستثمرين العالمي. ومن بين الشركات التي تم طرحها للاكتتاب العام قبل أن تنقل سيارة واحدة ناجحة إلى المشترين، هناك «كانو» و«لوسيد» و«نيكولا» و«لوردستاون» و«فيسكر» و«أريفال» و«ريفيان».


مع ذلك، فقد تدافع التجار. وهناك ما لا يقل عن 18 من شركات صناعة السيارات أدرجت في العامين الماضيين، بواسطة شركات استحواذ ذات أغراض خاصة «سباك»، وفقاً لبيانات شركة «بيتش بووك»، في حين أنجزت «ريفيان» اكتتاباً عاماً أولياً. وقد أصبحت شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة والتي يطلق عليها أيضا تسمية «شركات الفحص على بياض» باباً خلفياً مثيراً للجدل لاندماج المؤسسات مع شركات وهمية ليس لها عمليات تجارية أو أصول مهمة مدرجة، ولدخول الأسواق العامة مع إفصاح أقل بكثير مما هو مطلوب في الاكتتاب العام الأولى.


ويجب أن تكون الأشهر الـ12 المقبلة حاسمة في إثبات أياً منها، إن وجدت، تستحق المخاطرة. يقول محلل السيارات في مجموعة «كريديه سويس»، دان ليفي: «هذه لا تزال أسهم مفهوم»، أي تكهنات مبكرة حول نمو الأداء التشغيلي للصناعة. وإلى جانب ضغوط إطلاق التصنيع، كشف عدد من الشركات بما في ذلك «لوردستاون» و«كانو» و«لوسيد» و«نيكولا» عن مواجهته تحقيقات فيدرالية.


وتوجد حقيقة خالدة في مجال السيارات لا يمكن تجاوزها: إن صناعة السيارات عملية صعبة. وكانت «تسلا» أفضل ما أوضح هذا الدرس، حيث عقد من الكفاح من أجل التصنيع الضخم الشامل أدى بها إلى مصارعة مزالق كثيرة، من الحصول على القطع المناسبة في الوقت المناسب إلى تجميع المركبات بحيث لا تتسرب المياه داخلها عند هطول الأمطار.


وفي أحلك أوقاتها، مرت الشركة بما أطلق عليه رئيسها التنفيذي، ايلون ماسك، بـ«جحيم التصنيع»: فالإمدادات تأخرت أو ضاعت، والمركبات خرجت من خط الإنتاج وتطلبت المزيد من العمل المكثف. وفي وقت من الأوقات، كانت الشركة تقوم بتسليم السيارات بدون مقاعد وتطلب من التجار تثبيتها في صالات العرض.


وقد صعدت «تسلا» من تلك الملحمة كشركة قيمتها تريليون دولار، ويبحث المشترون حالياً عن شركة تحاكي نجاحها.


يقول هنريك فيسكر، صانع السيارة الكهربائية المسماة باسمه، والذي يعد أحدث الوافدين في هذا المجال: «لقد اتخذ المسؤولون في وول ستريت القرار بأننا سوف نستثمر في المركبات الكهربائية، وهم يبحثون عن شركة أو اثنتين أو ثلاث يمكنها أن تحقق النجاح الكبير اللاحق».


وأوضح: «يسود اعتقاد بأن شخصاً ما أو شركات عدة قد تستحوذ على جزء كبير من سوق المركبات الكهربائية، لأن الشركات التقليدية لن تكون جاهزة أو لديها المنتج» مضيفاً: «يراهن المستثمرون على عدد منها وينتظرون من سيبرز بينها».


لكن النشوة بدأت في التلاشي بالفعل. وقد فقدت الأسهم التي وضعت تقييماً لشركة تصنيع الشاحنات «ريفيان» أعلى من «فولكس فاغن» ومجموعة «لوسيد» الفاخرة أعلى من «فورد»، أكثر من نصف قيمتها في الأشهر الستة الماضية، وهذا الانخفاض حدث في وقت أبكر بكثير من الحرب في أوكرانيا، الذي أضر بجميع السيارات في العالم.


وفي حين لا تزال الشركات تساوي المليارات، والعديد منها تم تسعيره أعلى من الشركات ذات التصنيف الأدنى مثل «رينو» أو «مازدا»، فقد تسربت جرعة فاترة من الواقعية إلى القطاع الذي كان مفعماً بالحيوية في السابق.


يقول ليفي من مصرف «كريديه سويس»: «تسلا فريدة من نوعها فيما فعلته، وليس هناك ضمانة أن الآخرين سيتمكنون من تكرار استراتيجيتها لمجرد أنها فعلت ذلك». وكان طريقها إلى المجد مليئاً أيضاً بالتأخير، حيث غالباً ما كان المساهمون الصبورون يضيفون عدة أشهر إلى أحدث الجداول الزمنية. وستتمتع الموجة الجديدة من الشركات بتساهل أقل بكثير خاصة لأن السوق المركبات الكهربائية لم يعد مجالاً مفتوحاً على مصراعيه، وهو ما مكن «تسلا» من الهيمنة عليه.


بدوره، قال محلل السيارات فيليب هوتشوا في جيفريز بلندن: «لن يكون لدى تلك الشركات فترة الـ 10 سنوات الذي منحته الصناعة لشركة تسلا».


مراسل صناعة السيارات العالمية لصحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية
ترجمة: نهى حوّا

طباعة Email