البحر بصفته ملجأ.. وجهاً آخر للحياة

ت + ت - الحجم الطبيعي

حدثني صديق من هواة البحر والصيد والغوص، ويمتلك مركباً أشرف على صناعته بنفسه محلياً، فجاء أشبه ما يكون باليخت وبه عدد من الغرف للاسترخاء، قال إن مركبه هذا يعتبر بالنسبة له بيته الثاني، يلجأ إليه كل يوم تقريباً، ويحدث أحياناً أن يأوي إليه بعد انتهاء عمله مباشرة، ليدرك الإبحار به في وقت الغروب الأثير على نفسه، وقد يمتد به الوقت لساعات عدّة من الليل، يُقفل به عائداً إلى أحد أرصفة ميناء المدينة.

وبعد تردد على الميناء، تبين لي أن هنالك كثيرين ممن شغفهم البحر بنسماته الدافئة وسكون أمواجه في الليل، يفعلون الشيء نفسه وعلى نحو يومي، فللبحر بالنسبة لهم قدرة عجب على إعادة الصفاء والتوازن إلى نفوسهم التي أتعبتها ضغوطات العمل ومنغصات الحياة، إذ لكل منهم مركبه الخاص الذي ينشد فيه الخلاص، ينتظره في ميناء المدينة. ذكرني حديث الصديق عاشق البحر بقصة رجل آخر له قصة مع سكنى البحر شبه الدائمة، فما تفاصيلها؟

كان الرجل الخمسيني يتحدث إضافة إلى الفرنسية لغته الأم، الإنجليزية والإسبانية، ويميل إلى النكتة والمرح وبشاشة دائمة تعلو وجهه الأليف، التقيته في نهاية السبعينيات في مقهى على الرصيف الآخر المقابل لميناء مارسيليا الفرنسية، يرتاده البحارة والمسافرون من مختلف بلدان العالم، جمعتني به القهوة والانتظار رغم اختلاف المقاصد.

وبعد أن جُلنا معاً على موضوعات عديدة بينها الطقس وازدحام البشر وضجيج الميناء ومتعة الأسفار، استأذن أنه بعد قليل سيحين موعد مغادرته إلى غرفته في السفينة، فعرفت أنه أحد المسافرين، لأسأله إلى أي البلاد يتجه؟

فرد عليّ ضاحكاً: إن مثلي لا يسأل هذا السؤال، فأنا مقيم دائم في السفينة. ابتسمت له عندها من دون تعليق، فمضى قائلاً إنه يسكن هذه الغرفة المستأجرة في السفينة منذ قرابة الثلاثة أعوام، وقد لجأ إلى هذا الوضع الذي يبدو غريباً بعض الشيء، بعد مشكلات اجتماعية اضطرته إلى مغادرة منزله، فحينها فكر في سكن كريم، فأوصلته الخيارات المحتملة إلى السكن في غرفة على ظهر سفينة، بعد أن حسب التكلفة بدقة ليجد أنها أرخص من أي غرفة مماثلة في المدينة، وتتناسب مع مرتبه التقاعدي. زد على ذلك، كما قال:

إنني أحظى برعاية لا بأس بها وأشعر بالأمان ليل نهار، كما يحق لي مراجعة الطبيب مجاناً. 

حدثني كيف أنه يحظى بعدد كبير من الأصدقاء حول العالم، يتواصل معهم ويبادلهم الرسائل، وما كان ليتعرف عليهم لو لم يلتقيهم في هذه السفينة التي أصبحت، بمرور الوقت، ليست بيتاً حميماً فقط بل عالمه الخاص ميزته المدهشة دوام الحركة على الماء، ويعرف فيه اليوم كل كبيرة وصغيرة، مداخله ومخارجه وزواياه والنادي الرياضي والمطعم، وحفظ قوائم الطعام وأنواع الوجبات والمقبلات.

بل أصبح يشارك بنكاته وملاحظاته كل العاملين على ظهر السفينة كما لو كان واحداً منهم، إضافة إلى أنه كل أسبوع هو في مدينة، والأهم أنه تعوّد كتابة يومياته التي قد جعلته يفكر أن يوماً سوف يأتي يكون مناسباً لنشرها فيصبح بعدها كاتباً معتبراً.

*إعلامي وكاتب صحافي

طباعة Email