زايد الغائب الحاضر

ت + ت - الحجم الطبيعي

يصادف التاسع عشر من رمضان الذكرى الثامنة عشرة لرحيل المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -طيب الله ثراه- مؤسس دولة الإمارات والأب الروحي لها. ففي كل عام تحيي الإمارات هذه الذكرى بالدعاء للقائد الذي وهب حياته لوطنه، وسخر كل إمكانات بلده لخدمة شعبه الذي أصبح يعرف بأسعد شعب في المنطقة العربية. وفي الواقع لا يمر حدث على الدولة إلا ويتساءل الجميع: ترى ماذا سوف يكون موقف زايد لو كان لا يزال يعيش بيننا؟ ذكرى زايد غالباً ما تثير أسئلة أخرى مثل: ما هي فلسفة زايد في بناء الأمة؟ ما هي مواقف زايد الإنسانية التي رسمت له تلك الصورة الناصعة له وأبقته حياً في قلوب الملايين؟

لقد ارتبط زايد بالعمل الإنساني، فلا غرو أن تكرس الإمارات ذكراه وتطلق على يوم رحيله «يوم زايد للعمل الإنساني». فلقد استطاع زايد في حياته وبعد مماته أن يبقي حبه حياً في قلوب الملايين الذين يتذكرون يده الخيّرة وكيف استطاعت تلك اليد الوصول لملايين البشر في كافة بقاع الأرض ومساعدتهم. ليس هذا فحسب، بل كان زايد بلسماً يداوي الجراح العربية الغائرة التي خلفتها الصراعات والخلافات. لذا فليست الإمارات وحدها التي تعاني الفقد، بل المنطقة العربية كلها، حيث استطاع «حكيم العرب» أن يلملم الجراح العربية هنا وهناك، ولا يدخر جهداً في سبيل لمّ الشمل العربي الذي فرقته الخلافات وأثرت فيه القضايا الدولية المتشابكة.

لم يحصل قائد عربي معاصر من قبل على كل ذلك الحب والتقدير الذي حصده زايد في حياته وبعد مماته، فذكراه لا زالت حية ونهجه لا يزال بيننا: نعمل به ونسير عليه. فعلى مدى عقدين من فراقه لا يزال زايد يحصد الحب والاحترام، ولم تفارقنا القيم التي غرسها زايد في نفوسنا كاحترام الآخر والتسامح والسعي نحو إقرار السلام في بلدنا وفي بلدان العالم أجمع. لقد ترك فينا زايد ثقافة العطاء والخير وعلمنا الكثير، علمنا بأن الحياة عطاء، وبأن من يعطي باليمين من المؤكد أنه سوف يحصد أضعاف عمله بالشمال. علمنا زايد بأن الحياة هي كفاح وعمل من أجل رفعة الوطن. علمنا بأن الحياة تسامح وتقبل للأخر المختلف عنا. علمنا زايد أن نمد يدنا للآخر المختلف، وألا ننظر إلى عرقه أو دينه أو طائفته وألا ننتظر الأجر عن عمل خير عملناه، أو جهداً بذلناه في سبيل لملمة جراح مظلوم أو كفكفة دمع يتيم أو محروم، بل إن الخير هو من سوف يسعى إلينا ليكافئنا.

غرس زايد في نفوسنا قيماً إنسانية عديدة وعلى رأسها العطاء دون حدود. ولهذا أطلق على يوم التاسع عشر من رمضان «يوم زايد للعمل الإنساني»، فقد دأب زايد في حياته على تلمس احتياجات أبناء شعبه، وعلى تلمس احتياجات أبناء وطنه العربي الكبير، وعلى تلمس احتياجات كل محتاج حول العالم. فكانت سعادته في أن يرى أبناء وطنه سعداء مرفهين، وفي رؤية أبناء شعبه العربي الكبير لا يعانون من الضيق والعوز. لذا فقد كانت مساعدات الإمارات الخارجية تحتل نسبة كبيرة من ميزانية الدولة، بل وتعد الأعلى عالمياً. وقد سار الأبناء على نهج زايد. ففي مبادئ الخمسين لم تربط المساعدات الخارجية بأي منة أو مصلحة، بل تنسجم مع مبادئ دولة الإمارات الساعية إلى بسط الخير والعطاء أينما وجدت الحاجة.

رحل زايد وبقيت إنسانيته تعلم الأجيال الجديدة دروساً في الحياة وفي العطاء. إن «يوم زايد للعمل الإنساني» ليس مجرد يوم للعطاء، بل يوم للتأمل في فلسفة زايد في تطويع العمل الخيري لخدمة الإنسانية، وسوف يظل هذا اليوم نبراساً للأجيال الجديدة تستقي منه إرث زايد الخير، وتعرف كيف استطاع زايد أن يلملم جراح العالم، وأن يكون بلسماً يداوي جراح كل محتاج. فالقيم التي زرعها زايد في شعبه سوف تظل حية وباقية ما دام هناك من يستظل بظل زايد ويعمل على استدامة نهجه. إن زايد لم يكن قائداً لشعبه، بل أباً وراعياً ونبراساً تستظل بظله الأجيال الجديدة التي تبحث عن قدوة تقتدي بها، وسوف يظل «يوم زايد للعمل الإنساني» نموذجاً إنسانياً للعطاء اللامتناهي.

 

 

* جامعة الإمارات

طباعة Email