أمام باب الله

ت + ت - الحجم الطبيعي
تعبيراً عن جلالِ هذا الشهر المبارك الذي أكرمنا الله تعالى بشهوده وصيامه، ومواصلة للتواصل مع أبناء الوطن في شتى مسارات الحياة، نشر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ومضة رمضانية على حسابه في إنستغرام أعادنا فيها إلى روعة الشعر وجلال التعبير أمام باب الله تعالى، مصحوباً ذلك بصورة في غاية الفخامة والجلالة للكعبة المشرّفة شرّفها الله وزادها تعظيما ومهابة وإجلالاً.
 
عبّر فيها عن لحظات الحنين والأوبة إلى باب المولى الكريم الذي لا يصدّ مَن قصده ولا يُخيّب مَنْ دعاه، وهو الباب الذي اعتاد صاحب السمو على الوقوف في عتباته تعبيراً عن إحساسه الصادق العميق بجلال المولى العظيم الذي تعنو له الوجوه وتخضع في حضرته الرقاب، وكلنا يتذكر تلكم القصائد البديعة التي أنشأها سموه في هذه المعاني ولا سيّما في بيت الله الحرام، فقد اعتاد سموه على زيارة الكعبة المشرفة وبثّ الشكوى في ذلك الحرم المهيب، وكتب في ذلك أجمل القصائد التي تعبر عن روعة العبودية وجلال الربوبية التي تستحق كل تعظيم وإجلال.
 
وقفتُ أمامَ بابك يا قريبُ ومَنْ يلجا لبابك لا يخيبُ
 
بهذه الكلمات المعطّرة بعطر التعظيم والإجلال يفتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هذه المناجاة التي تعبّر عن شوق القلب للوقوف أمام باب الله تعالى، تعبيراً عن صدق العبودية وتنويراً للنفس وتزكية لها لكي تظل صامدة في ظلمات الحياة، قادرة على مواصلة المسير، وهو حين يفعل ذلك فإنما يناجي القريب المجيب الذي خاطب نبيه قائلاً: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، ومن بدائع البلاغة القرآنيّة أنّ هذه الآية الكريمة جاءت في كتاب الله تعالى بعد قوله سبحانه:
 
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)، فكأن سياق الحال يقول إن شهر رمضان وبركة القرآن هما من مظانّ استجابة الدعاء، ومواطنُ الدعاء الكبرى إنما هي في طرق باب المولى والوقوف على قدم الإخبات والخشوع أمام حضرة عزّه وسُبُحاتِ وجهه القدوس عزّ شأنه، فهو الذي لا يُخيّب راجيه ولا يردّ داعيه.
 
وهو ما عبر عنه صاحب السمو في الشطر الثاني من البيت في قوله (ومن يلجأ لبابك لا يخيب) وصدق وبرّ فيما قال، فما طرق باب الكربم طارق إلا وعاد موفور النعمة، منشرح الصدر قد استجاب الله دعاءه لا سيّما في حالات الاضطرار فإنه سبحانه حييٌّ كريم يستحي إذا مدّ إليه العبد يديه أن يردّهما صفرا كما جاء في الحديث الشريف، فالحمد لله على هذه النعمة السابغة حين فتح لنا أبواب رحمته، وسمح لأيدينا بأن ترتفع إلى وجهه الكريم بالطلب فهو الكريم الوهاب الذي يُعطي بلا مَنٍّ ولا حساب، سبحانه سبحانه من ماجد جواد.
 
ولستُ بمحدث أمراً غريبا ولستُ أنا على الباب الغريبُ
 
إنّ الوقوف على باب الله تعالى هو مقتضى معرفته ولازم عبوديته وحقّ ربوبيته، والسعيد السعيد من وفقه الله تعالى لنيل هذا الشرف العظيم، وهو المعنى الذي يؤكده صاحب السمو حين يقول إن الوقوف أمام باب الله تعالى ليس أمراً غريباً بل هو الحق الذي يجب له سبحانها، وإنما الغرابة أن تمتدّ الأيدي إلى سواه، وأن ترتفع الأكفُّ إلى غيره، ومصداقُ ذلك ما جاء في الحديث الشريف الصحيح الذي رواه الإمام الترمذي رحمه الله من قوله صلى الله عليه وسلم: «مِنْ لم يسأل الله يغضب عليه» وهو ما صاغه بعض الشعراء بقوله:
 
الله يغضبُ إن تركتَ سؤاله وبُنيّ آدمَ حين يٌسأل يغضبُ
 
فالحمد لله على هذه النعمة السابغة التي تفضل بها علينا المولى الكريم، فجديرٌ بالعبد المؤمن أن يُدمن قرع باب العزة والجلال وأن لا يكون غريباً عن ذلك، ليظل معروفاً لملائكة الرحمن الذين يعرفون عبيده المقبلين عليه اللاجئين إلى ساحات كرمه ومجده سبحانه، وهو ما أكده صاحب السمو في الشطر الأخير.
حيث جزم بكونه ذلك العبد المدمن على الوقوف أمام باب مولاه وليس هو الغريب الذي لا يعرف ذلك الباب إلا في الأزمات والكربات، فطوبى ثم طوبى لكل من وفقه الله لهذه المكرمة التي دونها كل المكارم، ويعلو قدرها على كل المكرمات. ومبارك هذا الشهر الكريم على صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وأنجاله الكرام وشعب الإمارات الذي أسبغ الله عليه النعمة، وبسط عليه ظلّ الأمن والسكينة والأمان.
 
طباعة Email