«الهموم القصوى».. أكلمات تُعبر عنها أم رموز؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

الأحداث صغارها أو كبارها، التي تقع «هنا» في محيطنا المباشر أو «هناك» في المحيط القريب منا أو «هنالك» في المحيط الأبعد تترك تأثيرات متباينة على مسارات حياتنا، يمر بعضها بهدوء وسلاسة نحو قنوات النسيان، في حين يسكن بعضها الآخر عميقاً في دخائل نفوسنا قي صور شتى من المخاوف والهواجس رافضاً مغادرة زمن حدوثه ليصبح أحد «الهموم» التي تكدر صفو الحياة وتضفي توجساً على ما هو قادم مع الأيام.

«الهَم» شأن مألوف في حياتنا جميعاً صغاراً أو كباراً أغنياء أو فقراء حاكمين أو محكومين فهو «كدر» محمول زمنياً يؤرق حامله ويقلق راحته ويشغل باله في كل الأوقات وربما يعيقه في بعض الأحيان عن التقدير السليم والموضوعي لمواقفه. مبرراته وأسبابه كثيرة ومتنوعة وتختلف من شخص لآخر حسب درجة ارتباطاته بالحياة. بعض هذه الهموم آني عابر وبعضها الآخر يؤرق حامله طويلاً وقد يمتد إلى جل حياته، حيث يمكن أن نطلق عليه مصطلح «الهم الأقصى» الذي يتركز لدى البعض حول شخصه ليكون الحصول على «الثروة» أو «الشهرة» أو تحقيق «النجاح المهني» أو الظفر بـ«الوجاهة المجتمعية» أو غير ذلك، في حين يقتصر لآخرين على تدبير متطلبات المعيشة اليومية الضرورية لهم ولأفراد عوائلهم، وهؤلاء هم الغالبية العظمى من الناس في جميع أنحاء العالم.

إلا أن هناك «هَماً أقصى» من نوع آخر يشغل بال البعض، بال القلة القليلة جداً في جميع المجتمعات في أنحاء العالم، «هَماً» لا يتعلق بقضايا تتمحور حول شخوصهم ولا حول من هُم قرباء منهم ولا حول ما هو ذو طابع مادي مصلحي بل حول قضايا ذات أبعاد وصلات بأهداف رفيعة وسامية تتعلق بأماني وأحلام شعوبهم أو حول رؤى تتماهى مع القيم الإنسانية الرفيعة في «الحرية» و«العدالة» و«السلم» و«حقوق الإنسان». هذه الهموم تصاحب عادة رهطاً من الأفراد في مرحلة الشباب الذي تسحره هذه القيم المثالية المبهرة إلا أن وهجها يخبو مع الزمن لدى غالبيتهم ليبقى مضيئاً مؤرقاً راحة القلة القليلة جداً منهم، تلك التي تمتلك خصائص القيادة.

قد لا تكون للمثل والقيم والرؤى فرصة للحضور مادياً على أرض الواقع إلا أنها تفرض حضوراً قوياً في أذهان من اعتنقها وتمكنت أن تفرض بما تتمتع به من فتنة وسحر سطوة آسرة لتصبح هموماً قصوى تسكن في الذهن بصور ونماذج مختلفة. وحين تتجاوز درجة «القناعة» بمعطياتها لتصل إلى درجة «الإيمان» بحتمية مآلاتها فهو دخول إلى حرم «القداسة» ووقوف بتهيب أمام هذه الرؤى على الرغم من الوعي بأن عصر الأحلام الكبيرة قد أفل وبأنه لم يعد لها مكان في النظم الإقليمية القاسية، ناهيك عن ذلك في النظام العالمي الأوسع والأكثر قساوة.

هناك مستويات متباينة في التعبير عن الهموم لدى الناس قد تبدأ بالشكوى والتأفف وهي الغالبة، وقد تتخذ منحى سلبياً في المواقف من الحياة، أما «الهَم الأقصى» للإنسان، أحلاماً ورؤى، فلا بد من التعبير عنه بطرائق أخرى بعيداً عن الكلمات المتعارف عليها، لأن هذا «الهَم» عادة ما يرتبط بما هو مقدس ويندغم بما هو أخلاقي، حيث تضفى عليه ما يتجاوز خصائصه ووظائفه، فصناعة الصورة التأريخية التي ترتبط بنشأة أحد الهموم الكبيرة التي تؤرق حياة الأفراد أو الشعوب فيها الكثير جداً من التعقيدات.

فالطريقة التي يعبر بها عن الهموم القصوى لا بد أن ترتقي إلى مستوى ما لهذه الهموم الغائرة في الوجدان من عمق في الموازاة والمحاكاة، فالتعبير عنها ينبغي ألا يتخذ نسقاً تقليدياً وفق أطر المعادلات التي تتحكم بمسارات الحاضر بل ينبغي الذهاب بعيداً عن ذلك.

يستخدم حملة الرأي، مفكرون وأدباء وشعراء، مصطلحات غير معتادة في اللغة المتعارف عليها لمقارباتهم بعض ما يتطرقون إليه، مصطلحات ذات دلالات رمزية بليغة يعجز المثل المادي المحسوس عن التعبير عنها، فالرمز يشير عادة إلى ما وراء ذاته فهو يكشف عن آفاق تبقى مغلقة أمامنا من دونه لأنه يفتح لنا بوابات التأمل والتفكير، وهذا بالضبط ما نحتاجه للتعبير عن عمق همومنا القصوى.

* كاتب عراقي

طباعة Email