اعتذارات الشعوب لنظيراتها

ت + ت - الحجم الطبيعي

‏ظلت الحكومات لعقود طويلة «تأخذها العزة بالإثم» فلا تتجرأ أن تعتذر عن أي حقبة مأساوية أو دموية ارتكبت بحق الشعوب الأخرى. ‏وبعد أن تطور الإنسان، ووعت الشعوب وتثقفت، صارت تعي أهمية المسؤولية الأخلاقية والتاريخية تجاه الآخرين ممن اعتدت عليهم. فالاعتراف بالتاريخ هو إحقاق للحق وأمانة ننقلها للأجيال المقبلة.

‏وقد صدرت دراسة حديثة موسعة وفريدة من نوعها بتكليف من الحكومة الهولندية لثلاث مؤسسات بحثية للوقوف على حقيقة ما جرى في الماضي حيث استمرت هولندا باستعمار جزر الهند الشرقية الهولندية (إندونيسيا) لما يربو على 350 عاماً.

‏ورغم ترديد الحكومات الهولندية المتتالية بأن جيشها لم يرتكب مجازر تذكر، إلا أن هذا البحث المهم كشف عن جرائم مروعة يندى لها الجبين بحق الشعب الآسيوي الأعزل حسب ما ذكره ‏الزميل عبدالله المدني أستاذ العلاقات الدولية والشؤون الآسيوية في مقاله بـ«البيان».

وقد ‏اعتذر السفير الهولندي في جاكرتا عام 2013 عن المجازر، وكذلك فعل العاهل الهولندي في العام نفسه ‏وأبدى «ندمه.. عن العنف المفرط» وذلك لأن ما جرى من الآلام سوف ينتقل لأجيال عديدة حسب قوله. وأمر بتعويضات سخية لفئات من المتضررين.

‏ ‏كثيرة هي الشعوب التي تعتذر منها اعتذار فرنسا الشهير للشعب الجزائري عن حقبة الجرائم البشعة بحق الشعب العربي إبان الحقبة الاستعمارية.

كما اعتذرت ألمانيا لشعوب عدة بسبب مجازر النازي هتلر إذ راح ضحية الحرب العالمية الأولى والثانية أكثر من 55 مليون شخص وربما أكثر بكثير، فاضطرت الشعوب إلى تأسيس نظام عالمي جديد كان نواته عصبة الأمم المتحدة لإيقاف سيل المعارك والحروب.

واعتذر الرئيس صدام حسين بطريقة غير مباشرة للكويت عن «أخطاء الماضي». واعتذرت الحكومات العراقية المتعاقبة ضمنياً للكويت عن ‏الغزو العراقي عام 1990 وذلك بدفع كامل مطالبات تعويضات الحكومة الكويتية والتي بلغت نحو 52 مليار دولار أمريكي.

حيث نجحت الدبلوماسية الكويتية عبر لجنة التعويضات الدولية في استقطاع 5 بالمئة من عائدات العراق من مبيعات النفط والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي دفعت للمؤسسات الخاصة والعامة المتضررة.

‏ومثلما يصعب أن تعود المياه إلى مجاريها بين الدول بعد العدوان فقد وجدت الكويت التحدي نفسه لكنها نجحت في إعادة العلاقات في زمن قياسي بعد تسعة أعوام من احتلالها بالكامل.

وليس ذلك فحسب بل نظمت البلاد أكبر مؤتمر للمانحين لإعمار جارتها العراق وذلك بجمع 30 مليار دولار. وأرى أن هذه كانت من أنبل الأعمال الإنسانية والدبلوماسية في تاريخ الحروب والنزاعات.

وكذلك وجدت اليابان صعوبة بالغة في إعادة العلاقات مع جيرانها الذين نكلت بهم شر تنكيل قبل أن تسدل القنبلة النووية الأمريكية في هيروشيما وناغازاكي الستار على حقبة مأساوية في تاريخ اليابان. فوجدت نفسها لاحقاً مضطرة للاعتذار عن ما ألحقته بالشعوب المجاورة من دمار.

الاعتذار ثقافة، تبدأ من البيت، والشارع، والعمل، انتهاءً بأبجديات التعامل السياسي والدبلوماسي. ولا يرفض الاعتذار إلا مكابر. وفي الاعتذار شيء من رد الاعتبار. ومن شَبَّ على شيء شابَ عليه.

 

طباعة Email