علينا مغادرة أحضان أمهاتنا

ت + ت - الحجم الطبيعي

مجموعة من قصص الأطفال حصلت عليها في بداية هذا الشهر الفضيل، لتوزيعها على الأولاد بغية قراءتها، إذا ما توفر لديهم الوقت المناسب. ومعلوم أن الأطفال يصعب دفعهم إلى القراءة بسهولة، أو جعلهم قراءً، بين يوم وليلة، بالطرق العادية، بل يحتاجون إلى أساليب مغرية وابتكارية، قد يكون من بينها مكافآت تشجيعية، وعملية كهذه بات يعرفها الوالدان، بحكم الخبرة، والأمهات أكثر من الآباء.

والسلسلة القصصية في الأساس هي ترجمة لقصص صادرة بأكثر من لغة أجنبية، وتتكون من 10 كتب، كل واحد منها تزيد صفحاته على الـ60، ويحتوي على أكثر من قصة، لا تتعدى الواحدة الصفحتين، وأما الطباعة فهي فاخرة، ونوع الورق كذلك، والصور التوضيحية، أو المفاهيمية جاءت بألوان مدروسة بعناية، زاهية من تلك التي يحبها الطفل وينجذب إليها.

لكن فجأة طرأت عليّ فكرة حكيمة، وتنفيذها لا يقبل التأجيل: لماذا لا نتصفح هذه القصص قبل أن ندفع بها إلى الأولاد، لنعرف شيئاً عن المحتوى، والرسائل التي ودّ المؤلفون ودور النشر إيصالها إلى فلذات أكبادنا هؤلاء؟ ممن «يفرح الإنسان أن يحرم نفسه من الخبز في سبيل أن يهبه للأولاد، فمن قال إن الأولاد مشقة وعناء فقد كذب.. الأولاد فرحة، حسبما قال الكاتب العالمي ديستويفسكي.

وهذا ما حدث وفعلناه: تصفحنا القصص، والنتيجة كانت: تقبلنا الخسارة، وأوقفنا المشروع برمته.

تفهم من مقدمة السلسلة أن أصحابها هدفوا من ضمن ما هدفوا، وبحسن نية ربما، إلى جعل الطفل مستقلاً في حياته، وأن يتعود الاستقلالية، التي تعني بالنسبة لهم الاعتماد على النفس في وقت مبكر، ليكون الطفل عندها منتجاً، وفي حالة الضرورة يكون قادراً على مساعدة نفسه ووالديه، وإذا ما حدث للوالدين ما يعجزهما عن رعايته، أو يغيبهما الموت، عندها يمكن للطفل أن يتدبر أمر نفسه. وكلام واضح كهذا، لأول وهلة، نادراً أن تجد من لا يتفق معه، فليس هنالك والد أو والدة لا يريد لطفله أن يمتلك شخصية قوية، ملؤها الثقة، وأن يكون ذكياً ورصيناً، يحسن التصرف ساعة الأزمة. 

نستل تالياً بضع كلمات وجمل ومناسبات، وردت في تلكم القصص، لإعطاء فكرة للقارئ عن الموضع، رغم ما خلفه من غصة. هنالك قصة عنوانها: أبي وأمي ليسا خادمين، يقول فيها الطفل: أمي، لن أسمح لك أن تكوني خادمة، ثم يقول: علينا أن نتعلم أن نستقل بحياتنا ونواجه الأشياء. وكلام كهذا لا غبار عليه، وفي ذات القصة ترد الجملة التالية: يجب على الأم أن تكون قاسية، لتعطي فرصة للطفل أن يتعلم الأشياء الخاصة به. وتتبعها جملة أخرى: سقط الكرز من ذراعي والدته الشجرة.. علينا أن نخرج من أحضان أمهاتنا مبكراً، وننمو مبكراً. هنا يتضح مفهوم الاستقلالية. 

إضافة إلى الكم الكبير من الأخطاء اللغوية والنحوية، وفي تراكيب الجمل، هنالك مفاهيم كارثية، فإذا ما تجاوز المرء فيها عن الأسماء الأجنبية التي تركت على حالها على أجنبيتها، لم تستبدل بأخرى عربية، كون المتلقي طفلاً عربياً، كما أن المناسبات في القصص تركت هي الأخرى على أجنبيتها، لم تعرب، فعلى سبيل المثال، يقول صديق لصديقه في إحدى القصص إنه سيلتقيه في يوم عيد الشكر، حيث سيأكلان الطعام ويمرحان معاً. بينما كان بالإمكان استبدال «عيد الشكر» بعيد الأضحى أو الفطر أو أي عيد تعرفه العرب، أو من البيئة، كعيد الشجرة، عيد الأم. لماذا علينا التقيد بأسماء الأشخاص، وأسماء المناسبات، كما وردت في القصص الأجنبية، بعد ترجمتها، فيما الموضوع هو موضوع قيمة مطلقة، حميدة وإيجابية يراد لها التعميم؟

إن مفهوم الاستقلالية شيء، والاعتماد على النفس والثقة بها شيء آخر، فالاستقلالية المقصودة لديهم والمترجمة، ويراد من أطفالنا التعرف عليها وممارستها، هي ليست الاعتماد على النفس بناء على الثقة، إنما الانسلاخ عن العائلة، في خطوة تجاه المجهول البائس، وترك الوالدين يواجهون مصير عجزهم منفردين، هي ثقافة بائسة لم تفلح في منبتها وبيئتها، فما جدوى نشرها وتعميمها في بيئتنا المختلفة تماماً؟

طباعة Email