الأمان العاطفي: طوق نجاة في العلاقة مع الذات والآخرين

ت + ت - الحجم الطبيعي

يعد الأمان العاطفي إحدى خصائص الشخصية الإنسانية المتوازنة، القادرة على التفاعل مع مواقف الحياة المختلفة بمستوى عال من الاستقرار النفسي، ذلك الاستقرار، الذي يمكن الفرد من التعامل مع المشاعر السلبية بعيداً عن الاضطرابات الشعورية، ويسمح له في الوقت ذاته بتحمل الأزمات الناتجة عن أي ظروف، يتم التعرض إليها في مسيرة الحياة. 

يمثل الأمان العاطفي إحدى الحاجات التي طرحها فانس باكارد في منتصف القرن الماضي، ضمن نظريته عن الاحتياجات الخفية الـثمانية، والتي قام بتفصيلها في كتاب نشره سنة 1957، بعنوان «The Hidden Persuaders». 

تشير النظرية إلى حاجة البشر عموماً للتمتع بالأمان العاطفي في حياتهم، علماً بأن هذا النوع من الأمان يقع ضمن منظومة من الاحتياجات الأخرى ذات البعد النفسي، لكنه يأتي على رأسها، وفي مقدمتها، مع وجود علاقات متداخلة في ما بينها. 

الاحتياجات الثمانية، التي استهدفها باكارد في كتابه، هي: 

1.    الأمان العاطفي

2.    الطمأنينة

3.    إرضاء الذات

4.    منافذ الإبداع 

5.    غايات الحب 

6.    الشعور بالقوة 

7.    الحاجة إلى الانتماء 

8.    تخليد الذكرى 

يوفر الأمان العاطفي للفرد القدرة على التحكم الذاتي بمشاعره، مع ضبط التصرفات، وتعزيز الثقة بالنفس؛ وصولاً إلى تجنب الأخطاء السلوكية الآتية: 

-    ردود الأفعال المبالغة في مواقف التوتر والقلق

-    شخصنة الأمور، وتحميلها ما لا تحتمل 

-    الانسياق وراء المزاج الآني، والانفعال اللحظي

-    تعطّل القدرة على التفكير الموضوعي 

-    التفكير المستمر في المشكلات 

-    الوقوع ضحية للآلام والكوارث 

-    الانفصال عن الواقع، والابتعاد عن الآخرين

وبالمقابل، يمكن للأمان العاطفي أن يتحقق من خلال الاجتهاد في تطبيق العديد من السلوكيات الإيجابية، مثل: 

-    التقبل الإيجابي للذات

-    الثقة بالقدرات والمهارات الشخصية، والعمل على تعزيزها 

-    الابتعاد عن النقد المستمر للآخرين، وخاصة النقد الهدام 

-    الاعتراف للنفس بمشاعر القلق والتوتر والحزن والألم، والعمل على معالجتها

-    عدم التعمق في أخطاء الماضي؛ تجنباً للشعور بالذنب

-    التكيف مع الحياة بحلوها ومرها

-    الاستعانة بالأصدقاء والمتخصصين لتطوير خاصية الاستقرار النفسي 

صحيح أن التمتع بالأمان العاطفي يعتمد على القدرات الشخصية للفرد، إلا أن ذلك لا ينفي التأثير الإيجابي، الذي يمكن أن يتحقق بوجود أشخاص يدعمون الإنسان عاطفياً. هؤلاء الأشخاص تتوفر فيهم عادة مجموعة من الخصائص، مثل: 

-    متسامحون، لا يتصيدون مواطن الخطأ والزلل في تصرفات من حولهم. 

-    يتقبلون صفات الآخرين، ويتفاعلون معها بإيجابية. 

-    يمدون أيديهم للمساعدة في أوقات الأزمات، ولا يتخذون موقف المتفرج. 

-    لا يكتفون بالدعم العاطفي اللفظي، بل يوفرون دعماً عملياً ملموساً. 

-    يشاركون في أفراح الآخرين، ويشركون الآخرين في أفراحهم.

-    يلتمسون الأعذار، ولا يعاتبون على كل صغيرة وكبيرة.

-    التعامل معهم يتم بشكل عفوي، وغير مُصطنع.

ختاماً نقول: الحياة مع الاستقرار النفسي تصبح أجمل، وذات قيمة إيجابية، علماً بأن هذا الاستقرار لا يمكن أن يتحقق إلا بتوفر الأمان العاطفي، الذي يعد بحق طوق نجاة للإنسان، في عالم يزخر بالمشكلات والتحديات والأزمات.

 

بقلم الدكتور راكان عبدالعزيز الراوي

دكتوراه في الإدارة العامة

خبير تطوير موارد بشرية

طباعة Email