الاعتذار الهولندي لإندونيسيا يفتح الباب للتساؤلات

ت + ت - الحجم الطبيعي

مؤخراً قدم رئيس وزراء هولندا مارك روتي اعتذاراً رسمياً لإندونيسيا عن ماضيها الاستعماري هناك، معترفاً بأن هولندا استخدمت عنفاً منهجياً مفرطاً للحيلولة دون استقلال إندونيسيا، ومبدياً أسفه أن حكومات أسلافه غضت الطرف باستمرار عن ذلك، ومعلناً عن استعداد حكومته لدفع تعويضات لأهالي الضحايا، والمعروف أن إندونيسيا كانت خاضعة للحكم الاستعماري الهولندي على مدى 350 سنة، إلى أن استولت عليها اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية.

وبعد هزيمة الأخيرة أعلن الإندونيسيون استقلالهم في أغسطس 1945، لكن هولندا رفضت الاعتراف بذلك، وقاتلت لإبقاء سيطرتها عليها، إلى أن اعترفت بها كدولة مستقلة في ديسمبر 1949. ويقال إنه خلال السنوات ما بين التاريخين تسببت هولندا في مقتل نحو مائة ألف شخص.

جاء الاعتذار الهولندي غداة نشر دراسة غير مسبوقة، قامت بها ثلاث مؤسسات بحثية هولندية بتكليف من حكومتها، وورد فيها أن الجيش الهولندي تجاهل القوانين والقواعد المكتوبة وغير المكتوبة وارتكب فظائع، علماً بأن لاهاي ظلت على مدى عقود تصر على أن جيشها تصرف هناك على نحو سليم، وفي أوقات الضغط عليها كانت تزعم أن قواتها قد تكون ارتكبت مخالفات بسبب الضعف والإحباط في مواجهة تكتيكات حرب العصابات، التي لم يكن بإمكانها التعامل معها باستخدام الوسائل العسكرية العادية.

لم يكن اعتذار مارك روتي هو الأول من نوعه، لكنه كان الأقوى والأوضح، إذ سبقه في عام 1968 قيام لاهاي بإصدار تقرير أقرت فيه بحصول «تجاوزات عنيفة» في إندونيسيا، لكنها بررتها بأنها حدثت رداً على هجمات إرهابية إندونيسية.

وفي عام 2013 أعرب السفير الهولندي في جاكرتا عن ندمه على المجازر، التي ارتكبها جيش بلاده لسحق المقاومة، خصوصاً في جزيرتَي جاوة وسولاويزي، وفي مارس 2020، قدم العاهل الهولندي الملك فيليم ألكسندر، أثناء زيارته الرسمية الأولى لجاكرتا، اعتذاره قائلاً: «أود أن أعرب عن أسفي واعتذاري هنا عن العنف المفرط من جانب الهولنديين في تلك السنوات.

أنا أفعل ذلك مع وعي تام بأن آلام وحزن العائلات المتضررة سيستمر لأجيال»، وتلا حديثه عرض من لاهاي لدفع تعويضات بقيمة 5600 دولار لذوي كل طفل تسببت هولندا في مقتله، وهو نفس المبلغ الذي حكمت به محكمة هولندية عام 2013 لكل أرملة من أرامل 431 رجلاً، ذبحهم مجندون هولنديون في قرية بجاوة الغربية عام 1947.

ما يعنينا في الاعتذار الهولندي الأخير الشهر الماضي أنه فتح الباب للحديث المستفيض عن مبدأ «الاعتذار ما بعد الاستعمار»، وهو قضية شائكة ومعقدة، صحيح أن القرن الحالي شهد ظهور مراجعات من قبل بعض الدول الأوروبية لماضيها الاستعماري، بعد أن كان السائد في القرن العشرين هو خطاب الإنكار وإضفاء الشرعية على المبادئ الإمبريالية في مواجهة مطالبات بالاعتذار والتعويض عن جرائم ارتُكبت في الماضي، لكن الصحيح أيضاً هو أن بعض الاعتذارات كانت جزئية وغير شاملة، وبعضها الآخر غير مصحوبة بالتعويضات، وبعضها الثالث مرفقة بتبريرات مثل أن مرتكب الجرائم والفظائع لم يكن الدولة الاستعمارية، وإنما مستوطنون أو منظمات مستقلة عنها. هذا ناهيك عن الإشكالية، التي يتعذر معها أن تعترف دولة ما بجرائمها كونها لم تكن قائمة بشكلها الحالي زمن وقوع تلك الجرائم.

الأمر الآخر الذي يعنينا هو أن الاعتذار الهولندي الأخير شرع الأبواب أمام إندونيسيين كثر للتساؤل عمن سيعوضهم عن الانتهاكات والمذابح التي ارتكبتها قواتهم الوطنية، في إشارة إلى قيام مقاتلي الحرية بقتل نحو 6000 من الأوراسيين والملوكيين والأقليات الأخرى أثناء المرحلة الأولى من حرب الاستقلال، وإلى حملة جاكرتا الانتقامية في الستينيات ضد الحزب الشيوعي الإندونيسي والتي أودت بحياة ما لا يقل عن نصف مليون مواطن، وصولاً إلى المجازر التي ارتكبت بحق أنصار الديمقراطية، وبحق شعب تيمور الشرقية قبل أن ينجحوا في انتزاع استقلالهم عام 1999.

والحقيقة أن ما شجع هؤلاء الإندونيسيين على نبش الماضي، ليس الاعتذار الهولندي وحده، وإنما أيضاً حقيقة أن السرديات الإندونيسية عن فترة النضال من أجل الاستقلال والفترات اللاحقة من عمر الدولة الوطنية المستقلة متناثرة وغير دقيقة، وهذا دفع كاتب عمود معروف مثل «إندي بايونين» للتعليق على الاعتذار الهولندي بقوله: «نحتاج أيضاً إلى إعادة النظر في تاريخنا وإخراج جميع الهياكل العظمية من الخزانة»، بمعنى ضرورة الغوص عميقاً في سائر الأحداث الدموية المؤسفة التي شهدتها إندونيسيا منذ الأيام الأولى لقيام الجمهورية وحتى نجاح الشعب في إسقاط الدكتاتورية العسكرية سنة 1998.

طباعة Email