شخصيات تحت المجهر

أحمد الفلاحي.. العماني المقيم وسط الكتب

ت + ت - الحجم الطبيعي

قال عنه نزار قباني: «كان كتيبة من الشعر، والظُرف، والرواية.. إنه واحد من الظرفاء العرب»، ويعتبره الكثيرون من الأدباء الشباب العمانيين، أباً لتجاربهم، وسادناً لتراث بلادهم، أما هو، فيجد في كل هذه الأوصاف مبالغة لا يستحقها.

ذلك هو مؤسس الجمعية العمانية للكتاب، الأديب الظريف المجتهد، أحمد عبدالله سالم الفلاحي، صاحب أكبر مكتبة شخصية بالسلطنة، وأكثرها اكتنازاً بالنوادر، بل هو مقيم بهذه المكتبة، يتنفس هواء محتوياتها الموزعة على غرف وممرات عدة، ضمن شقته الصغيرة.

يتميز مشواره بالثراء والتنوع الوظيفي، والدأب الثقافي والبحث المعرفي، وتختزن ذاكرته مشاهد وحكايات عن زمن الشتات العماني، وحقبة التنمية والنهضة، ما جعل سيرته مشوقة، وتستحق أن تروى.

ولد الفلاحي في قرية البطين بولاية القابل، في حدود عام 1952 م. وبسبب هجرة والده إلى زنجبار طلباً للرزق، نشأ في كنف جده، العالم الفقيه. لكن جده توفي عندما كان في السادسة، فتولت أمه تربيته وتنشئته، فأحسنت، خصوصاً وأنها كانت تجيد القراءة والكتابة، وتتمتع بخط جميل.

ومما يتذكره عن والدته، أنها علمته النحو، عبر أرجوزة «ملحة الإعراب»، والشعر من خلال نونية أبي مسلم البهلاني، وأنها كانت تتجول به في أنحاء القرية، فسكنت في ذهنه صور ومشاهد من الماضي لا تنمحي، مثل مشهد خلو القرية من السكان، وإغلاق بيوتها بأقفال ضخمة، بسبب هجرة الناس هرباً من القحط والجفاف.

من بعد سنوات عجاف، عاد الخصب إلى البطّين، فرجع الناس من مهاجرهم، وعادت الحياة للقرية، وصارت الأمور فيها مزدهرة. ومع هذه الظروف الجديدة، عاد والده من أفريقيا. وقتها، كان الفلاحي قد كبر قليلاً، وبات يدرك كنه ما حوله، وكان من ضمن الأشياء التي سعى إليها بشغف، الوصول إلى مكتبة جده الضخمة، التي حُرم منها في صغره.

في حياته 3 محطات فارقة، كان لها تأثير كبير في تكوينه وشخصيته وثقافته. المحطة الأولى، كانت في سن العاشرة، حينما رافق والده للمرة الأولى إلى خارج حدود قريته. إذ كان وصوله إلى ميناء مطرح، بمثابة فتح كبير له، حيث رأى لأول مرة البحر والبواخر، والأطباء والأسواق، والممرضات الأجنبيات.

المحطة الثانية، كانت عند بلوغه سن الـ 12. وقتها كان يزور مع أهله أحد رجال القرية المغتربين في الخليج للعمل، فشد انتباهه العناوين الجذابة لبعض الكتب الموجودة في بيت الأخير، وكان من بينها كتاب «ألف ليلة وليلة»، الذي أصر الفلاحي على استعارته، إلى أنْ استجيب لطلبه، فراح يقرأه بشغف، مكتشفاً عوالم ومناخات لم يسمع بها من قبل. كان هذا الكتاب من أوائل الكتب غير الدينية التي تأسس عليها الفلاحي.

في المحطة الثالثة من حياته، نجده يقرر في سن الـ 13، القيام بأولى مغامراته. كان ذلك في حدود عام 1965، حينما اتفق مع عدد من أقاربه الأكبر سناً، أن يهاجروا طلباً للعلم والرزق. ومع رفض والده للفكرة، قرر أن يهرب إلى دبي، ومنها استقل مركباً باتجاه البحرين، التي وصلها وأقام بها قرابة الشهرين، تمتع خلالهما بأجوائها الثقافية، ومكتباتها ومطبوعاتها، فاتسعت دائرة معارفه، بل وتخلص أيضاً من بعض الخرافات ذات العلاقة بمخترعات العصر، كالراديو.

بعد البحرين، توجه بحراً إلى مدينة الخبر السعودية، ممنياً نفسه بالعمل نهاراً، والدراسة مساء. وتعرف صاحبنا في الدمام على شخصيتين عمانيتين، ارتبط معهما بعلاقات قوية، ولعبتا دوراً في حياته، الشاعر عبد الله الطائي، والشيخ محمد الشيبه. على أن إقامة صاحبنا في السعودية لم تطل، فبعد نحو عام، تركها إلى الكويت. وهناك أشار عليه البعض أن ينتقل إلى بغداد للدراسة، لكنه وصل متأخراً، فلم يـُقبل، فاقترح عليه بعض معارفه أن يسافر إلى دمشق، التي عاش ودرس فيها عاماً كاملاً، تخللته زيارات إلى بيروت، ووعود لم تتحقق للسفر إلى مصر، التي كان مشدوداً إليها.

وهكذا، نجد أن تنقلاته هذه، لئن لم يستفد منها مادياً أو دراسياً، إلا أنها عرفته على أفكار وثقافات تلك المرحلة. إذ اقترب من أفكار وشخوص العمانيين الإماميين، وتعرف إلى توجهات وطموحات القوميين، واطلع على صراعات البعثيين، فيما كان فكره مشدوداً نحو ظروف وطنه القاسية.

في أواخر عام 1968، كان صاحبنا في أبوظبي، التي أقام بها مدة، وصادف وقتها أنه رأى مجلة بيروتية، تبشر بقرب تغير النظام في عمان، فسارع بشد رحاله للقاء الشيخ الشيبه، الذي كان قد انتقل من الدمام إلى الكويت. وبينما هو يتغدى على مائدة الشيبة ظهراً، فإذا بإذاعة الكويت تبث خبر التغيير في عمان، واستلام السلطان قابوس مقاليد الحكم.

ترك الفلاحي الكويت سريعاً، عائداً لعمان، للمشاركة في بنائها عن طريق مدينة الخبر، لكنه أصيب في الخبر بحادث سير أليم، أقعده في حالة مأساوية بمستشفى الشرق، تحت إشراف طبيب لبناني.

بعد أربعة أشهر خرج من مستشفاه، ووصل إلى عمان، ليجد صديقيه عبد الله الطائي وسعود الخليلي، قد اختيرا وزيرين للإعلام والتربية على التوالي، في أول حكومة في عهد السلطان قابوس. عرض عليه الخليلي العمل مدرساً براتب 65 ريالاً شهرياً، لكن الطائي ضغط عليه، وأقنعه أن مكانه الإعلام، وليس التدريس. وعليه، التحق الفلاحي بوزارة الإعلام، موظفاً في قسم الأخبار بالإذاعة، مطلع عام 1971، براتب 54 ريالاً، نزولاً عند رغبة الطائي، وتوافقاً مع شغفه بالبحث والاطلاع.

بعد عشر سنوات في الإذاعة، قضاها محرراً للأخبار، ومقدماً للبرامج الأدبية والتاريخية، انتقل عام 1981 من الإعلام إلى التربية، ليعمل عاماً كاملاً بإدارة البعثات، قبل صدور قرار بتعيينه ملحقاً ثقافياً بالسفارة العمانية في البحرين، التي بقي بها حتى عام 1987، حيث توثقت فيها علاقته مع النخب الثقافية والشعرية.

وفي أواخر عام 1989، انتقل إلى القاهرة للعمل في الملحقية الثقافية العمانية هناك. فكان ذلك بمثابة منعطف جديد ومختلف في حياته. حيث شاهد في القاهرة على الطبيعة، كل ما كان قد قرأه أو تخيله.

ما بين 2003 و2010 عُين عضواً بمجلس الدولة، وفي 2010 صدر مرسوم بترقيته إلى درجة وكيل وزارة، وتعيينه بوظيفة مستشار لوزيرة التربية والتعليم. كُرم الفلاحي عام 2001، بوسام السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، وبوسام عمان المدني من الدرجة الثالثة، عام 2015.

طباعة Email