يفصل التقرير الصادر عن مؤسسة ماكنزي الدولية مسألة محايدة الكربون، بما أن التغير المناخي بات على سلم الأولويات عالمياً.
وتمحورت غاية صناع القرار الاقتصادي، والمحللين الاستراتيجيين للشركات حول أهداف الاستدامة، سيما انبعاثات غاز الدفيئة الصفرية. ويشير التقرير بحسب كريشنان والشركاء في التأليف، إلى وجود ست خصائص تساعد في تحقيق التحول الناجح نحو محايدة الكربون.
وقام المؤلفون بناءً على سيناريو ينص على تحقيق صفر انبعاثات بحلول 2050، أي الحدّ من الارتفاع في درجات الحرارة عالمياً إلى 1.5 درجة مئوية أعلى من المستويات حقبة ما قبل الصناعة بوضع تحليل يوفر فهماً لطبيعة التغييرات التي تترتب على التحول إلى محايدة الكربون وقوته، كما مستوى الاستجابة المطلوب لإنجاحه. وتبين لهم أن الوصول إلى الهدف المنشود، إنما ينطوي على تحولات اقتصادية ومجتمعية عميقة، ويترك أثراً على الدول والشركات كما المجتمعات. ولا بدّ بدايةً من أن يتسم التحول بطابع كوني سيما أن كل دولة وقطاع اقتصادي يسهم في انبعاثات غاز الدفيئة بشكل مباشر أو غير مباشر.
ومن هنا تبرز الحاجة للتنسيق والتعاون. ويستوجب التحول الناجح ثانياً حدوث نقلات اقتصادية عملاقة، حيث من المتوقع أن يتطلب الوصول إلى محايدة الكربون مبلغاً يقدر بـ275 تريليون دولار من النفقات الرأسمالية على الأصول المادية بحلول العام 2050، أي بمعدل 9.2 تريليونات دولار في العام. وإن الزيادات المتوقعة في الإنفاق في ظل نمو المداخيل وأعداد السكان والسياسات التحولية المرعية أن يضيق الهوة، إلا أن الزيادة المطلوبة في حجم الإنفاق السنوي سيبقى بحدود التريليون دولار.
ولا بدّ كذلك من أن يخضع سوق العمالة لتعديلات أساسية، كما سيكون جوهرياً إعادة تأهيل وتوظيف مهارات العاملين. وتتمثل الخاصية الثالثة المفتاحية في عملية التحول في السياسات والإنفاق المركز للاستثمار المرافق في المرحلة الأولى. وعلى النطاق الأوسع، سيكون من الضروري اتخاذ خطوات خلال العقد الحالي لوقف تراكم انبعاثات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي كما التخفيف من وطأة المخاطر المناخية المادية. ورابعاً، فإن تأثيرات التحول إلى صفر انبعاثات ستكون مشهودة على نحو متفاوت.
وينبغي على مستوى الدول، أن تعمد اقتصادات الدول الغنية إلى تخصيص حصة أكبر من إجمالي الناتج المحلي للدول الفقيرة بغية دعم النمو الاقتصادي وبناء أصول ذات انبعاثات متدنية. وعلى نحو مشابه، فإنه في الدول حيث المجتمعات تعتمد بقوة على القطاعات الأكثر عرضةً تواجه التكاليف الأغلى. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال تعتمد 44 ولاية على الفحم والوقود والغاز والطاقة المزودة بالوقود الأحفوري، كما تصنيع المركبات في أكثر من 10 في المئة من التوظيفات.
ومن المرجح أن تواجه الأسر ذات الدخل المتدني مشكلات أكبر، مقارنةً بالعائلات الأكثر ثراء للتكيف مع ارتفاع التكاليف العابرة إلى المستهلكين. وتكمن الخاصية الخامسة للتحول إلى محايدة الكربون في كونها أكثر عرضة للمخاطر على المدى القصير، بما في ذلك انتقال العمال والأصول المحصورة. وتشير التقديرات إلى أنه في قطاع الطاقة، فإن ما يقدر بـ2.1 تريليون دولار من الأصول سيتم إقصاؤه أو الاستفادة منه بشكل منقوص بين اليوم وعام 2050.
وينطوي التحول إلى المحايدة الكربونية على العديد من الفرص في الوقت عينه. وهذه خاصية سادسة تشير إلى أنه بالنسبة للشركات، فإن التخلص من الكربون يمكن أن يحيل العمليات القائمة والمنتجات أقل تكلفةً، وستصبح الأسواق الجديدة والسلع منخفضة الانبعاثات أكثر ربحية.
الشركات بدورها ستحقق كسباً من دعم إنتاج السلع منخفضة الانبعاثات والرأسمال المادي أو البنى التحتية. الدول أيضاً قد تكون في عداد المستفيدين، حيث يمكن لها، بهدف تدعيم مكانتها في اقتصاد المحايدة الكربونية، أن ترفع قوة رأسمالها الطبيعي وتستثمر في الرأسمال التقني والبشري والمادي. ولا يمكن لنا أن نغفل هنا عن الفائدة الأعظم المتمثلة بمنع تراكم المزيد من المخاطر العينية التي يمكن أن تحفز التأثيرات الأكثر كارثة للتغير المناخي. ويتعين لزاماً على صناع القرار ورواد الأعمال أن يدمجوا تلك الرؤى ضمن مقرراتهم الساعية إلى تحول لمحايدة الكربون بأسلوب سلس منظم وملائم.
وينطوي ذلك على الاعتراف بأن التغييرات المتسرعة، سيئة التخطيط، من شأنها أن تزيد المخاطر كما يفعل التأخير تماماً. ونظراً إلى الطبيعة العالمية للتحول، فإنه لا بدّ من التعامل معه بروحية تعاون جديدة. هناك سيل من الأسئلة التي لا تزال تنتظر الإجابة بما في تلك المتعلقة بمن سيدفع الفاتورة وكم ستكون التكلفة ومقابل ماذا. إلا أنه في ظل توسع دائرة التعهدات بالوصول إلى محايدة الكربون، فإن البحث عن حلول يكتسب زخماً أكثر من أي وقت مضى.
ترجمة: فاتن صبح