التعارض بين الأمن والقانون.. أوكرانيا نموذجاً

ت + ت - الحجم الطبيعي

 بعد انهيار التجربة السوفييتية، استغلت موسكو فرصاً ومناسبات كثيرة، لتذكير من يعنيهم الأمر، بأن متوالية التوسع شرقاً من جانب منظومات عالم الغرب، وفي طليعتها حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، تعد تهديداً زاحفاً غير مقبول للأمن القومي الروسي من جهتيه الغربية والجنوبية الغربية. لكن نشوة انفراد الولايات المتحدة، زعيمة هذا العالم، بقمة النظام الدولي، بالتعامد مع الهشاشة النسبية للقطب الروسي، غداة الحرب الباردة الأولى، أذهبت تنبيهات موسكو ومخاوفها إدراج الرياح.

 استمر سيناريو التنويه الروسي الغاضب، المصحوب بعدم الاكتراث، والدأب على التمدد شرقاً من جانب الغرب، لنحو ربع قرن بالتمام. ندفع بهذا التقدير، وفي الخاطر أن سيطرة روسيا على منطقة القرم في عام 2014، أسست لتحول فارق في سلوك موسكو وردود أفعالها، من دبلوماسية التحذير إلى لغة القوة العارية.. كان ذلك التحول، تعبيراً عن فهم روسيا وإدراكها بأنها قطعت شوطاً على طريق المناعة الداخلية، في إطار موازين قوى دولية مغايرة، بما يمكنها من وضع حد للتنمر الغربي تجاهها.

 لكن ظاهر الحال، يشير إلى أن واشنطن وحلفاءها لم يقرؤوا جيداً هذه الرسالة، وهذا ما أوصلهم وأوصل العالم معهم إلى محطة أوكرانيا، وما يدور في فلكها وتوابعها راهناً.

 بخطواتها المتلاحقة، من الاعتراف المنفرد بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك المواليتين لها، ثم القيام بعمليات عسكرية في الديار الأوكرانية، تعرض موسكو نموذجاً عملياً لمفهوم أنه لا صوت يعلو على صوت أمنها القومي. وعقدة هذا التصرف، وما ترتب عليه من تأزم في أوكرانيا، أنه مصاب بالعوار من نواحي الحقوق والأعراف المستقرة في العلاقات الدولية.

 كأن المطلوب من العالم في سياق هذه الأزمة، تحري سبل التوفيق بين دعاوى الأمن لدولة عظمى، أو تسعى لاسترداد عظمتها وهيبتها من ناحية، وبين المستقر والمتفق عليه من مبادئ القوانين والأعراف الحاكمة للعلاقة بين الأمم المتحضرة، بغض النظر عن المكانات وموازين القوة، من ناحية أخرى.

 من منظور واقعي، لا يمكن عزل هذه الأزمة عن السجالات والاصطكاكات الدائرة بين القوى المتنافسة على قمة النظام الدولي. دخول القوى الغربية على خطوط الأزمة، لا سيما بأداة العقوبات الصارمة ضد الطرف الروسي، يؤكد هذا التصور. لذا، فإن الحل الآمن للأزمة، لن يخرج جدلاً إلا من عباءة هذه القوى.. وآية ذلك، أن معظم المساومات التي جرت لمعالجة القضايا الساخنة جداً في زمن الحرب الباردة الأولى، تمت بمعرفة ومداخلات مباشرة من قبل واشنطن وموسكو.. وفي هذا الإطار، نلاحظ أن دور الوكلاء المحليين أو العواصم المعنية المنخرطة في هذه القضايا، لم يزد عن المصادقة والتأمين على الاتفاقات التي أفضت إليها مفاوضات القطبين الأعظم.. كما نلاحظ أن وجهة نظر هذين القطبين في صيانة أمنهما ومصالحهما، بالمعنيين القومي والعالمي، كانت لها أولوية ملحوظة على ما عداها من محددات في تسكين هذه القضايا أو تبريدها.

 حدث هذا، مثلاً، بين يدي أزمة برلين 1948 – 1960، وأزمة كوريا 1950 – 1953، وأزمة كوبا وخليج الخنازير 1961 -1962.. والحق أن نموذج تسوية هذه الأزمة الأخيرة، يعد في تقديرنا الأكثر حضوراً في الذهن، لمن أراد تشوف أو استكناه حيثيات الأزمة الأوكرانية المتفاعلة الآن. والخلاصة بهذا الخصوص، أنه عند بلوغ الأزمة الكوبية حافة هاوية الاشتباك المروع بين القوتين الأعظم وقتذاك، تلقى الرئيس الأمريكي كنيدي، رسالة عاجلة من موسكو، يعرض فيها نظيره السوفييتي خروتشوف «إزالة صواريخ جوبيتر الأمريكية من تركيا، مقابل سحب الصواريخ السوفييتية من كوبا». وما يهمنا أكثر في هذا المقترح، الذي تم العمل به بالفعل، أن خروتشوف شفع هذا العرض بالقول «إن صواريخكم في إيطاليا مصوبة ضدنا، وكذا صواريخكم في تركيا، وتقولون إن صواريخنا تقلقكم في كوبا على بعد 90 ميلاً منكم، بينما تركيا محاذية لنا، وحراسنا وحراسكم يتمشون جيئة وذهاباً، وهم ينظرون لبعضهم البعض».

 العبرة هنا، أن الأعوام الستين الفاصلة بين أزمتي كوبا وأوكرانيا، بكل ما فيها من متغيرات ومعطيات، لم تؤثر في ديمومة التكييف الروسي للأمن. وهو للمفارقة، التكييف الذي يكاد يحاكي حرفياً، المقاربة الأمريكية لوجود الصواريخ السوفييتية في كوبا.. ونحسب أن التجاوب النسبي مع هذا التكييف، دون الاستخفاف بالقوانين الدولية أو إهراق ماء الوجه بالنسبة لعالم الغرب بعامة، ربما مثل المدخل الملكي لنزع فتيل هذه الحالة المستعصية، التي أمست دامية بالفعل.

 

كاتب وأكاديمي فلسطيني*

طباعة Email