تأثير مانديلا

ت + ت - الحجم الطبيعي

قبل أن تبحث عنها في الإنترنت، هل تتذكر الطريقة التي يُكتَب بها اسم الشوكولاتة الشهيرة والمفضلة لدى الكثيرين في العالم «كيت كات» باللغة الإنجليزية؟

إذا كنت تعتقد بأن هناك شَرطة (-) تفصل بين جزئي كلمتي «Kit» و «Kat» وأنها تكتب هكذا «Kit-Kat» فأنت من الذين يمكن تصنيفهم ضمن المنضوين تحت ظاهرة «تأثير مانديلا» المعروفة، لأن كلمة «KitKat» تُكتَب دون شَرطة بين مقطعي الكلمتين.

هذه ليست دعاية للشوكولاتة الشهيرة والمفضلة لدى الكثيرين في أنحاء العالم، لكنه المثال الأشهر لشرح ظاهرة «تأثير مانديلا». فما هي ظاهرة «تأثير مانديلا» هذه؟، وما علاقة المناضل الأفريقي الشهير بها؟

«تأثير مانديلا» هو المصطلح الذي يطلق على ظاهرة الذكريات الزائفة الجماعية، عندما تميل مجموعة كبيرة من الأشخاص لاستعادة ذكريات مغلوطة عن حدث ما، ويعتقد هؤلاء الأشخاص أن ذكرياتهم هذه حقيقية، في حين أنها ليست كذلك فعلاً، بل هي ناشئة عن أمور لم تحدث فعلاً، أو أنها حدثت ولكن بطريقة مغايرة ومختلفة عن الطريقة التي يتم تذكرها بها، الأمر الذي يوصلنا إلى أن الذاكرة ليست بالدقة التي يتصورها البعض.

هذا هو الشرح المبسط للظاهرة، أما ارتباطها باسم المناضل الأفريقي الجنوبي الشهير نيلسون مانديلا فيعود إلى الباحثة فيونا بروم، التي أطلقت عليها هذا الاسم عام 2010، بعد أن لاحظت خلال حضورها لأحد المؤتمرات أنها تتشارك مع العديد من الأشخاص ذكريات خاطئة متعلقة بنيلسون مانديلا، حيث إن العديد من الأشخاص يعتقدون أن مانديلا توفي أثناء وجوده داخل المعتقل في الثمانينيات من القرن الماضي، وأن البعض يعتقدون أنهم شاهدوا بالفعل بثّاً متلفزاً لجنازته، ألقت خلاله زوجته خطاباً تنعى فيه الفقيد. والحقيقة أن هذا لم يحدث على أرض الواقع، فقد خرج نيلسون مانديلا من السجن عام 1990، وانتُخِب عام 1994 رئيساً لجنوب أفريقيا، وتوفي عام 2013 عن عمر ناهز 95 عاماً.

من هنا جاء مصطلح «تأثير مانديلا» الذي أصبح يُطلَق على الحالات الشبيهة من الذكريات الجماعية الخاطئة والمزيفة. وهناك أمثلة كثيرة وشهيرة يضربها الباحثون لهذه الظاهرة، بعضها له علاقة بالتاريخ، وبعضها له علاقة بالجغرافيا، والكثير منها له علاقة بالأدب، والفن، والثقافة، والشخصيات، والأحداث، والأماكن، وغيرها من شؤون الحياة المختلفة التي نصادفها يومياً، بعيداً عن فكرة العوالم الموازية التي من الصعب إثبات صحتها.

لماذا يجب أن نتعرف إلى ظاهرة «تأثير مانديلا»؟ ولماذا يجب أن نهتم بها؟

يجب أن نتعرف إلى الظاهرة ونهتم بها لأن كثيراً من الأمور التي نصادفها في حياتنا تقع ضمن دائرة الذاكرة الجماعية الخاطئة أو المزيفة التي نبني عليها أحكاماً مصيرية، بعضها على النطاق الشخصي، وبعضها الآخر على النطاق العام. الأمر الذي قد يترتب عليه اتخاذ قرارات يكون لها تأثير على مسارات شخصية وعامة لها شأن كبير في حياتنا قصيرة المدى، وحياة الشعوب والبلدان الممتدة. فبالاعتماد على الذاكرة الخاطئة أو المزيفة صدرت في بعض الدول أحكام قضائية دخل السجونَ بسببها أبرياء قضوا فيها أعواماً مديدة حتى تم اكتشاف براءتهم وإخراجهم منها بعد أن دُمِّرت حياتهم ولم يعودوا قادرين على استئنافها من جديد، لأن العمر الذي يمضي لا يعود أبداً.

لكن الأخطر من هذا هو عندما تتأثر حياة الشعوب وتتحدد مساراتها نتيجة اعتمادها على ذاكرة خاطئة. هنا لا يصبح «تأثير مانديلا» مجرد خطأ يمكن التراجع عنه أو تصحيحه، بل حقيقة يتشكل منها واقع جديد يتأثر نتيجة له مستقبل أجيال، يتغير مسار حياتها تماماً، ولا تعود قادرة على إعادة تصحيحه إلا بعد عقود من الزمن.

حدث هذا في عصور بعيدة من تاريخ أمم كثيرة، منها أمتنا، وحدث في عصور قريبة، ويحدث الآن في العصر الذي نعيشه، دون أن نتخذ من أحداث الماضي دروساً نستفيد منها، كي لا نبني قراراتنا ومواقفنا على ذاكرة خاطئة أو مزيفة تقودنا في دروب وعرة إلى متاهات كبرى، وتلقي بنا في أودية سحيقة، فالمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين، والعاقل لا ينخدع بالمظاهر، خاصة عندما تنكشف له الحقائق. وقد انكشف لنا على مدى تجاربنا السابقة من الحقائق ما يجعلنا ننأى بأنفسنا عن كل ذاكرة خاطئة أو مزيفة. لقد توفي مانديلا فعلاً ولا يجب أن يكون لظاهرته تأثير علينا.

طباعة Email