كيف تصرفت دول آسيا إزاء الأزمة الأوكرانية؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

بُعيد الأزمة الأوكرانية، اتجهت الأنظار إلى الأقطار الآسيوية لمعرفة مواقفها. صحيح أن هذه الأقطار بعيدة جغرافياً عن مسرح القتال، وصحيح أنها لا تملك الكثير من التأثير لإنهاء الأزمة، لكن الاهتمام بمواقفها نابع من حقيقة أنها أكثر الأمم قلقاً من تكريس سابقة التدخل العسكري كوسيلة لحل الخلافات، خصوصاً أن لبعضها نزاعات تاريخية مع العملاق الصيني.

بالرغم من امتناعها عن التصويت في مجلس الأمن، فإن العملاق الصيني يقف في صف موسكو، رغبة منه في أن تسرع الأزمة عملية الانتقال إلى نظام عالمي جديد. أما الهند التي ترتبط بروسيا بعلاقات استراتيجية قديمة متجددة، وترتبط أيضاً بعلاقات متينة مع الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب الباردة، فقد اشتدت عليها الضغوط من موسكو وكييف وواشنطن في اتصالات هاتفية بزعيمها مودي قبيل جلسة مجلس الأمن كي تتخذ موقفاً لصالح هذا ضد ذاك، لكنها لم تجد وسيلة أفضل للخروج من مأزق الاختيار الصعب، سوى الامتناع عن التصويت. وبعد أن أفاقت على حقيقة أن الأزمة تسببت في ارتفاع أسعار النفط، وبالتالي فإن اقتصادها معرض لخسائر فادحة، أقدمت على إطلاق دعوات لتهدئة الأوضاع وحل الخلافات بالحوار ووقف التصعيد العسكري.

في طوكيو وسيئول، كان الأمر مختلفاً. فالدولتان الحليفتان لواشنطن، والقلقتان من احتمالات تعرضهما لحدث مشابه، لم يكن لهما خيار سوى الاصطفاف خلف الولايات المتحدة، لاسيما بعد إطلاق تهديدات باستخدام القوة النووية التي تثير ذكريات مرة لدى اليابانيين وتثير الرعب لدى الكوريين الجنوبيين المجاورين لترسانة بيونغيانغ النووية.

دول رابطة آسيان فشلت في تبني رؤية جماعية موحدة، بل فشلت أيضاً في إصدار بيانات قوية واضحة، على الرغم من أن دستور الرابطة يجرم التدخل العسكري ويعتبر عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى أمراً مقدساً. صحيح أنه لا موسكو ولا كييف من كبار المستثمرين في دول آسيان، لكن روسيا هي المورد الرئيس لأسلحة هذه الدول (تجاوزت مبيعاتها من المعدات الدفاعية 10.7 مليارات دولار لدول المنطقة ما بين عامي 2000 و 2019)، كما وأن روسيا هي تاسع أكبر شريك تجاري خارجي لرابطة آسيان. (في عام 2019 وحده بلغت قيمة تجارة روسيا مع دول الرابطة مجتمعة نحو 18.2 مليار دولار).

أكثر المواقف صراحة ووضوحاً كان موقف سنغافورة، أصغر الأعضاء وأكثرها ثراء، والتي أصدرت وزارة خارجيتها بياناً أكدت فيه على احترام سيادة واستقلال ووحدة الأراضي الأوكرانية، بل أردفت ذلك بفرض عقوبات اقتصادية ومالية وتجارية على موسكو. أما أكبر الدول الأعضاء وهي إندونيسيا فقالت إنها تشعر بالقلق إزاء تصعيد النزاع في أوكرانيا، وتدعو إلى المفاوضات والدبلوماسية والحل السلمي للنزاع بأقصى سرعة.

تميز موقف فيتنام بغموض وحذر شديد يشبه الحذر الهندي ولذات الأسباب. فهانوي هي أقرب شريك دفاعي لموسكو وأكبر مشترٍ للمعدات العسكرية الروسية في جنوب شرق آسيا، ويرتبط شعبها بعلاقات مع الشعب الأوكراني منذ زمن الاتحاد السوفييتي (هناك أكثر من 15 ألف فيتنامي يدرسون أو يعملون في أوكرانيا). وفي الوقت ذاته تربطها علاقات متنامية مع عدوتها الأمريكية السابقة، وتتطلع إلى تطوير روابطها مع دول الغرب عموماً من أجل نموها الاقتصادي، وأيضاً من أجل مصالحها الأمنية ضد الصين. لذا لم يكن غريباً أن تنأى بنفسها عن اتخاذ موقف واضح وتكتفي بدعوة الأطراف المعنية إلى ممارسة ضبط النفس، وتكثيف جهود الحوار وتعزيز الدبلوماسية لإنهاء الصراع.

أما حكومة ميانمار العسكرية، فاصطفت علناً مع روسيا معلنة بوضوح أن موسكو فعلت الشيء الصحيح والواجب لتعزيز سيادتها وأمنها القومي، وأن روسيا «أظهرت للعالم أنها دولة قوية في التوازن العالمي من أجل السلام». ومن المعروف أن روسيا لم تصدر أي إدانة بحق جنرالات ميانمار، بل دعت زعيمهم الجنرال مين أونغ هلاينغ إلى موسكو للمشاركة في مؤتمر أمني في يونيو الماضي.

بقية دول آسيان كالفلبين وتايلاند وماليزيا انصب اهتمامها وتركيزها على سلامة مواطنيها الموجودين في روسيا وأوكرانيا.

طباعة Email