أوروبا.. والبحث عن موقع في «العالم الجديد»

ت + ت - الحجم الطبيعي

قاربت الحرب الأوكرانية إنهاء أسبوعها الثالث، وهي حرب خلقت أزمة لم تعرفها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

وزيادة على تداعياتها على حياة المدنيين والعسكريين فإنّ العالم بدأ يستفيق تدريجياً على آثارها الاقتصادية السلبية لجهة أنّ التداخل الكبير بين اقتصاديات هذه الدول وهو تداخل لا رجعة فيه على المديين القصير والمتوسط فيما يبدو مؤكّداً، وهو الأمر الذي ستكون له لا محالة انعكاسات خطيرة على أسعار بعض المواد الأساسية ومنها القموح والزيوت النباتية والأسمدة والمحروقات بشتّى أنواعها.

ومعلوم أيضاً أنّ روسيا هي أكبر مصدّر للغاز الطبيعي في العالم، وهي ثالث منتج للنفط، وكذلك 30 في المئة من قموح العالم، وتحتكم مع أوكرانيا على 76 في المئة من الزيوت النباتية الضرورية لعديد الصناعات الغذائية، وكلّ هذا إنتاجاً وتسويقاً، تُطرح أمامه تساؤلات عديدة نظراً للعقوبات الاقتصادية الصارمة التي فرضتها بعض الدول الغربية على روسيا.

وهو ما يعني أنّ الدول المرتبطة بالمنتوج الروسي أو الأوكراني ستشهد في قادم الأيام والشهور وربما السنوات - إذا طال أمد الحرب - صعوبات جمّة ليس أقلّها الارتفاع الجنوني لأسعار القموح والزيوت والنفط والغاز والأسمدة وكل المواد المُنتَجة ذات الصلة، ذلك أنّه وإن كان النقص الحادّ في هذه المواد غير مطروح الآن، فإنّ الإشكال الرئيسي الذي ستواجهه تلك الدول المرتبطة اقتصادياتها بالصادرات الروسية والأوكرانية هو في الأوّل ضرورة إيجاد بدائل حينية، وثانياً وبالأساس مواجهة الغلاء الاستثنائي للأسعار وتداعيات ذلك على معيشة المواطنين في بلدانها.

ويبدو أنّ أهمّ الدول المتضررة من الحرب الروسية الأوكرانية هي الدول الأوروبية وعديد الدول الأخرى غير المنتجة للنفط والغاز بالأساس، وتلك التي لها تبعية بخصوص القمح الروسي تحديداً.

إنّ هذا الموضوع بدأ يطرح إشكالات عديدة لدى الدول الأوروبية وعدد من الدول الأخرى، مظهرها صعوبة توحيد الموقف الغربي والدولي من العقوبات ضدّ روسيا وجوهرها الإحساس المتنامي بأنّ ‏المشهد الحالي من الحرب الأوكرانية هو «مشهد مكرّر»، وقد أثار في أذهان الأوروبيين بالخصوص ذكريات الحرب العالمية الثانية التي جرت على أرض أوروبا وتسببت في دمار اقتصادي واجتماعي وسياسي لأوروبا، وهي حرب خرجت منها أمريكا بثوب المنقذ الذي ألبس أوروبا لاحقاً ثوب التبعية العسكرية والسياسية والاقتصادية.

أصوات عديدة في أوروبا بدأت ترتفع مطالبة بضرورة الإنهاء الفوري لحرب ستدفع ثمنها على المديين القريب والمتوسط أوروبا أوّلاً، وباقي دول العالم ثانياً، أصوات تتعالى وتتساءل عمّن يدفع باتّجاه هذه الحرب المدمّرة!

إنّ القناعة بدأت تترسّخ لدى الأوروبيين بأنّ الولايات المتّحدة لم تعد في حاجة اقتصادياً وسياسياً وثقافياً إلى القوى التقليدية في القارّة الأوروبية وهي لذلك تسعى إلى إيجاد البديل من دول شرق أوروبا من خلال إقحامها في منظمة حلف شمال الأطلسي على خلفية حمايتها من «الطموحات التوسّعية» الروسية المزعومة.

وهذا الأمر لا تخفيه مطلقاً الولايات المتحدة التي «ما انفكّت تبدي لامبالاة تجاه المصالح الأوروبية لأنّها ترى مستقبلها في آسيا» بحسب أحد المرشّحين في انتخابات الرئاسة الفرنسية.

ويرى عديد المراقبين في أوروبا أنّ الحماية الأمريكية لحليفها التقليدي الأوروبي وصلت إلى نهايتها وأنّ واشنطن لم تعد تتحمّل الكلفة الباهظة لحماية أوروبا، خصوصاً وأنّ مركز الثقل كما مركز الصراع انتقل إلى القارة الآسيوية.

وإنّ هذه القناعة هي التي يبدو أنّها تدفع الأوروبيين الآن إلى التفكير الجدّي في بناء منظومة دفاعهم باستقلالية تامّة عن القوى الخارجية، وهو كان الموضوع الأساسي لقمّة دول أوروبا الـ27 بفرساي الأسبوع الماضي، والتي انعقدت بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، رغم أنّ موضوعها المعلن كان بحث كيفية مساعدة أوكرانيا.

إنّه ما من شكّ في أنّ العالم مقبل على تغييرات عميقة من شأنها أن تحدث تقلّبات جذرية في العلاقات بين الدول، وفي الأثناء يكتفي بعض الساسة الأوروبيين بمتابعة ميدان الحرب وإحصاء عدد الموتى.

إنّ العالم الجديد يتشكّل بعيداً عن ميدان الحرب، وأنّ أمريكا في هذا الخصوص لن تغامر بصدام مباشر مع روسيا؛ لأنّ هذا من شأنه أن يوسّع نطاق وطبيعة الحرب.

وفي المقابل ينقسم الأوروبيون بين مدافعين عن «قيم الغرب الديمقراطي» وآخرين يريدون أن تكون أوروبا رقماً مهمّاً في الخريطة السياسية العالمية التي هي بصدد التشكّل.

طباعة Email