شخصيات تحت المجهر

محمد عبدالرحمن الفريح.. دبلوماسي ومثقف سعودي رائد

ت + ت - الحجم الطبيعي

عائلة الفريح لها وجود كبير في السعودية والكويت، لكن هناك أكثر من عائلة تحمل الاسم نفسه. وبالرجوع إلى كتب النسّابين والأنساب حول أصولها نجد أن الفريح في البكيرية من العائلات المشهورة والمعروفة في هذه المدينة القصيمية، وأنهم من العناقر من بني سعد بن زيد من قبيلة بني تميم من أشيقر، وانتقل بعض أجدادها إلى مناطق أخرى مثل سدير وعنيزة والكويت والزبير. أما الموجودون منهم في بريدة والزلفي فينتسبون إلى آل مقرن من الأساعدة الروقي العتيبي من قبيلة عنزة.

خصصت فوزية صالح الرومي في كتابها «تاريخ نزوح العائلات الكويتية» بضع صفحات للحديث عن آل فريح في الكويت، فقالت إنهم من الفرحة من بلدة أشيقر، وإنهم يوجدون في السعودية والكويت والعراق، وإن أسباب نزوحهم من نجد إلى الكويت هو القحط الذي أصابها، مضيفة أن جد العائلة هو محمد عثمان إبراهيم محمد علي يوسف الفريح، الذي أنجب من زوجته الثانية (ابنة عمه سبيكة)، كلاً من عثمان وعلي. أما عثمان فقد غادر الكويت إلى الزبير والبصرة في عشرينيات القرن الماضي على أثر اختلافه مع بعض تجار الكويت على بيع الأرز. وأما علي فقد غادر إلى الهند، حيث امتلك مصنعاً لصناعة غتر الشماغ، وتزوج هناك من سبيكة البسام، قبل أن يغادر الهند نهائياً إلى البصرة.

ما يهمنا هنا هو تناول سيرة الأستاذ محمد بن عبدالرحمن بن عثمان الفريح، الذي يعد أول ملحق ثقافي سعودي في الخارج. ونستعين في ذلك بما ورد في كتاب «أعلام في الظل» لمحمد عبدالرزاق القشعمي.

أورد الشيخ محمد العبودي في كتابه «معجم أسر عنيزة» ترجمة قصيرة عن الفريح، فقال إنه ولد في عنيزة عام 1347 للهجرة، بينما نجد في «موسوعة الشخصيات السعودية»، التي أصدرتها مؤسسة عكاظ للصحافة، أنه من مواليد عنيزة عام 1354 (1935م). ونعتقد أن التاريخ الأول هو الأصح، لأن صاحبنا التحق بأولى مدارس عنيزة الابتدائية الحكومية (المدرسة السعودية)، وهذه افتتحت عام 1356 للهجرة، فلو اعتمدنا تاريخ ميلاده المذكور في الموسوعة، فهذا يعني أنه التحق بالمدرسة السعودية في سن الثانية، وهذا بطبيعة الحال من المحال. بعد إتمامه دراسته الابتدائية، واصل تعليمه حتى الشهادة الثانوية في المعهد العلمي السعودي، ومدرسة تحضير البعثات بمكة. وبعد تخرجه في المدرسة الأخيرة حصل على بعثة دراسية إلى مصر، حيث درس هناك في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول، التي منحته ليسانس الآداب، وكان ضمن من تولوا تدريسه الأديبة المصرية الكبيرة الدكتورة سهير القلماوي.

تولع الفريح بالصحافة والكتابة منذ أن كان طالباً في مدرسة تحضير البعثات، بدليل ما ذكره زميله الأديب عبدالله القرعاوي في مذكراته من أن صاحبنا ترأس تحرير مجلة «الشباب» أثناء دراسته بتلك المدرسة سنة 1942م. هذا ناهيك عن ما ذكره علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر في كتابه «من سوانح الذاكرة» حول صدور مجلته «اليمامة» وطبعها في القاهرة سنة 1953 من أن الطلبة السعوديين الدارسين آنذاك في القاهرة شاركوه في إعداد المقالات ومتابعة عملية طباعة المجلة، آتياً على ذكر أسمائهم، ومن ضمنهم محمد بن عبدالرحمن الفريح.

يقول القشعمي إنه حضر حفلاً في مركز حمد الجاسر الثقافي بالرياض عام 2014 بمناسبة مرور 63 عاماً على صدور مجلة اليمامة، فرأى الفريح موجوداً بين الحضور وهو يتوكأ على عصاه، وسمعه يقول بتأثر بالغ: «كأنه اليوم عندما حضرت ولادة العدد الأول من اليمامة بالقاهرة. كنا نسهر مع الشيخ حمد (الجاسر) نصحح المقالات وننقلها بحماس للمطبعة، كأننا نسابق الزمن». وأخبرنا أيضاً شيئاً من إسهامات الفريح المبكرة في مجلة اليمامة زمن دراسته في القاهرة، فقال إنه نشر مقالاً نقدياً حول ديوان «همسات» للشاعر السعودي طاهر زمخشري، في العددين الثاني والرابع من مجلة اليمامة في سبتمبر ونوفمبر 1953 على التوالي.

إلى ذلك قرض الفريح الشعر أثناء سنوات دراسته بالقاهرة، فنظم عدداً من القصائد، بينها قصيدتان نشرهما صالح جمال الحريري في كتابه «من وحي البعثات السعودية»، الصادر سنة 1949م، وكانت الأولى بمناسبة عيد الشباب، والثانية بمناسبة زيارة الشيخ محمد المانع مدير المعارف العام بالسعودية إلى مصر عام 1948م. كما نظم في تلك الفترة قصيدة أخرى وطنية مؤثرة ترحيباً بعودة الجيش السعودي من فلسطين، يقول مطلعها:

الأرض سكرى والخلائق نومُ.. والشر يفتك في البلاد ويظلمُ

بعد عودته من مصر التحق بوزارة المعارف السعودية، وتدرج في وظائفها، فمن مدير للتحريرات إلى مساعد للمدير العام للإدارة، فإلى ملحق ثقافي لدى سوريا ولبنان، ليدخل بذلك تاريخ بلده كأول ملحق ثقافي سعودي في الخارج. وبعد عودته من سوريا ولبنان تمّ تعيينه مديراً عاماً لوزارة المعارف، وهو المنصب الذي ظل فيه حتى تاريخ تقاعده. وبعد أن تقاعد خاض غمار العمل الحر، فأسس عام 1969 «المؤسسة الشرقية للتجارة والصناعة والمقاولات»، وأنشأ عام 1977 «شركة الخزف السعودية»، كما انتخب عضواً بمجلس إدارة شركة كهرباء الرياض، ثم عين مديراً للشركة، وعمل مديراً عاماً لشركة أسمنت اليمامة، وانتخب عضواً بمجلس إدارة البنك السعودي الهولندي، ثم تولى رئاسة مجلس إدارة البنك من عام 1980 إلى 1989. إلى ذلك انتخب رئيساً لمجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية بالرياض في دورتين متتابعتين من عام 1975 إلى 1981.

أخلص الفريح للكتاب، فأسس مكتبة خاصة ضخمة. وحول هذا كتب الدكتور عبدالكريم الأسعد في سياق حديثه عن أشخاص أعجب بهم من أهل عنيزة: «الأستاذ الأديب والعصامي الأريب محمد عبدالرحمن الفريح يقتني مكتبة ليس كمثلها مكتبة، ويخلص للكتب التي تحتويها إخلاصه لأهله وذويه وأصدقائه، ويداوم على الاحتفاء بها ومصادقتها والنظر فيها والاستفادة منها، ويحسن الاستنتاج السليم والدقيق من كل جديد في جميع ألوان المعرفة.. ملكة صافية ولسان حلو وعقل متفتح وبشاشة بلا نظير».

في 10 فبراير 2022م توفي بمنزله بالرياض، فنعاه الكثيرون ممن عرفوه، وكانوا من رواد الخميسية المعروفة التي كان الفقيد يعقدها كل خميس بمنزله. والمعروف أن الفقيد تزوج في سن متأخرة، فلم ينجب سوى ابن وحيد سماه عبدالرحمن.

طباعة Email