نسبية الصفات البشرية وضبابية الحد الفاصل

ت + ت - الحجم الطبيعي

كثيرةٌ هي المصطلحات التي يتم استخدامها لوصف سلوكيات الأفراد في المواقف الحياتية المختلفة، والتي تعبر عادةً عن صفات بشرية محمودة أو غير محمودة، إلا أن الإشكالية تكمن في ضبابية الحد الفاصل بين ما يمكن اعتباره إيجابياً، وما يمكن اعتباره سلبياً. مقال اليوم يتولى مناقشة هذا الموضوع؛ للمساعدة في ضبط التوصيفات التي نطلقها على الآخرين، عن وعي أو من دون وعي؛ لجعلها أكثر عقلانيةً، وأقرب إلى الموضوعية. 

التحدي لا يكمن في التمييز بين الصفات ونقيضها، فهذه مسألة يسيرة، وقد لا تثير اختلافاً بين الأفراد. على سبيل المثال، لا توجد صعوبة في التمييز بين الثنائيات الآتية: (الجرأة والرهبة، الكرم والبُخل، الحزم واللين، التأنّي والتسرّع)؛ إذ إن كل ثنائية تتكون من صفتين تقفان على طرفي نقيض من بعضهما، الأمر الذي يجعل المنطقة الرمادية بينهما غير موجودة. 

التحدي الفعلي ينشأ عند محاولة التمييز بين صفتين، بحيث إن الصفة الثانية تعبر عن صيغة مبالغة للصفة الأولى، أي أن الصفتين هنا غير متناقضتين، بل إن إحداهما تعبر عن امتداد للأخرى، علماً بأن الصفة الأولى إيجابية، والصفة الثانية سلبية. للتمكّن من توضيح الفكرة بشكل جيد، يمكننا استعارة الثنائيات التي ورد ذكرها سابقاً، مع تغيير الصفة الثانية من كل ثنائية، بحيث تصبح بالشكل الآتي: (الجرأة والتهور، الكرم والإسراف، الحزم والقسوة، التأنّي والتردد). 

أحياناً قد تختلط علينا الأمور، سواءٌ في تقييمنا لسلوكيات وقرارات شخصية، أو في تقييم سلوكيات وقرارات أشخاص آخرين. هذا الموقف يجعلنا غير متمكنين من التمييز بين البُعد الجيد والبُعد السيّئ؛ الأمر الذي يُدخلنا في حالة من التوتر الناتج عن فقدان الشعور باليقين، وربما تضعف الثقة بالنفس أحياناً؛ كنتيجة طبيعة لعدم القدرة على معرفة الفرق بين الصحيح والخاطئ. 

نستنتج مما سبق، أن المشكلة تتولّد عن تلك المنطقة الرمادية الفاصلة بين مفاهيم الصفات ذات البُعد الجدلي، مما يدلل بأن المسألة نسبية، يختلف تقديرها باختلاف الأشخاص والمواقف. أحياناً نجد شخصاً يتأخر في عملية اتخاذ قرار معين، وذلك من أجل دراسة موضوع القرار بشكل جيد، وللإلمام بكل حيثياته وجوانبه. هذا الشخص يعتبر نفسه متأنيّاً، لكنه من منظور شخص آخر هو متردد، فهل هو متأنٍ بالفعل أم متردد؟ قد لا نستطيع الجزم بأي من الصفتين بسبب اتساع المنطقة الرمادية الفاصلة بين صفة التأنّي وصفة التردد. 

إن معالجة المنطقة الرمادية تتم من خلال قيام الأفراد ببذل الجهد لتحديد معايير إرشادية واضحة لتلك الثنائيات من الصفات التي تختلف في الدرجة وليس في النوع، ذلك أن وجود هذه المعايير يساعد في تحسين منظومة الصفات الشخصية للإنسان ذاته، وفي الوقت نفسه يصبح حكمه على سلوكيات الآخرين أكثر واقعية.

في ختام المقال، يمكننا طرح ثلاث توصيات نعتقد أن تطبيقها يمكن أن يُسهم في معالجة إشكالية المنطقة الرمادية الخاصة ببعض الصفات البشرية: 

أولاً: ضرورة استيعاب مفهوم النسبية في التعامل مع الصفات التي تختلف في الدرجة، بشكل يجعلنا أكثر تفهماً للاختلاف في الآراء، مع إمكانية تقبل الآخر، إضافةً إلى إسهام هذا الأمر في تحسين إدارة الذات. من هنا تتضح أهمية الذكاء العاطفي الذي يمكن أن يؤثر بشكل إيجابي في إدارة الإنسان لنفسه، وكذلك إدارة علاقاته بالآخرين.

ثانياً: أهمية التفكير المُعمّق بالمنطقة الرمادية الفاصلة بين الصفات البشرية، مع الجاهزية لتقنين السلوكيات والأفعال، سواءٌ تعلّق الأمر في تعامل الفرد مع ذاته قبل الإقدام على السلوك، أو في الطريقة التي يبرر فيها تصرفاته الفعلية، وكذلك ما يرتبط بتفسير تصرفات الآخرين. 

ثالثاً: تجنب استخدام مصطلحات تعبر عن التعميم أو اليقين في التعامل مع الصفات البشرية؛ لأن الموضوع بطبيعته نسبي، وتحكمه المنطقة الرمادية بشكل واضح.

طباعة Email