أيديولوجيا العجز

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا يزال الانتماء القومي في العالم أداة تعريف للشخص، كما هو حال الانتماء للدولة، فالآخر الذي لا ينتمي إلى قوميتك وجنسيتك يُعرّفك بانتمائك. والعربي حتى الآن لا يجد تناقضاً بين انتمائه العربي وانتمائه للدولة التي يعيش فيها مواطناً. بل ولا يشعر بهذا الاختلاف.

حين كنا ندرس في جامعات الغرب والشرق، كان يطلق علينا الطلبة العرب، وكانت العلاقات تقوم بيننا بوصفنا عرباً. ثم نتعرف على بعضنا بانتماءاتنا لهذه الدولة أو تلك، كان ذلك في سبعينات القرن الماضي، ولَم نكن أبداً نكترث بانتماءاتنا الدينية والطائفية.

هذه المسألة التي هي للبداهة أقرب يحولها بعض المثقفين العرب إلى مشكلة بنفي صفة العربي عن سكان بلاد الشام والعراق ومصر وبعض بلدان المغرب. ودافعهم إلى ذلك أمر أيديولوجي: الأول أن الأصول العرقية الآشورية والفينيقية والآرامية والفرعونية هي الحقيقة، وإن العرب قوم لاحقون جاؤوا مع الفتح قبل 1500 عام (ولهذا فهم محتلون)، فضلاً عن أن تقدم شعوب هذه البلدان رهن بنكران هويتهم الراهنة والعودة إلى هويتهم المقابل عربي. إن هذا الوعي الزائف مرده إلى أوهام تبحث عن سند قديم لتأكيد نزعة عدمية تجاه العرب.

لن أدخل في نقاش حول هذه المسألة الزائفة. والأمر لا يستحق سوى بعض الأسئلة:

هب أن السوريين واللبنانيين أعلنوا بقرار يصدر عن أصحاب الحكم بأنهم فينيقيون، وإن الجنسية في لبنان وسوريا المكتوبة على جوازات السفر والهويات (فينيقية) أو آرامية، فهل سيخرجون من أحوالهم التي تبعث على الشفقة؟ هل إذا أعلنوا بأنهم ليسوا عرباً في وثائقهم يحققون السلم والأمن؟ وهب أن جميع المصريين استفتوا على مشروع بأن مصر هي فرعونية ولا علاقة لها بالعرب وأطلقوا اسم جمهورية مصر الفرعونية على بلدهم بدلاً من جمهورية مصر العربية، فماذا يعني هذا للتقدم وللتنمية؟ وهل ستحل الجنسية الجديدة الفرعونية مشكلات الاقتصاد والسياسة.

يبدو أن أبطال «المهزلة» السعداء في أسِرَتِهم القديمة ليس باستطاعتهم المشي على الأرض، الأرض التي تعلن دائماً أن الحياة هنا والآن وغداً. فبدل البحث في الواقع عن الإمكانيات التي علينا إنجازها وتحقيقها بما يحقق سعادة المجتمعات، نعود إلى طرح الزائف من المشكلات.

نعم الحياة هي هنا الآن وغداً ولا تسكن في كهوف الماضي، وهذا الوهم ليس سوى تعبير عن العجز عن فهم الواقع، أو الهروب من المشكلات الحقيقية. هذه الأوهام تشبه الأوهام الطائفية، التي تدمر الحياة والعلاقات المعشرية، والعيش المشترك.

فالتفكير في المستقبل ينطلق دائماً من بناء الحاضر وليس من اجترار الماضي، فبيروت المركز المالي والسياحي لم يدمرها الانتماء العربي، بل دمرها النزاع الطائفي، والتبعية، والحروب الداخلية الخلبية، واغتيال النخبة الفاعلة. وقس على ذلك.

الحل لمشكلات المنطقة لا يكون بهذا الوعي المتخلف، بل في قيام الدولة التي تحافظ على الحق والحرية والمساواة والإنصاف، والتعبير عن ثقافة الجميع من القوميات والجماعات، والحفاظ على ثقافتها. فطرح مشكلة الانتماء إلى أقوام بادت وامتزجت ببعضها البعض ليس سوى التعبير عن أيديولوجيا العجز المطلق.

الدولة بالمعنى الحديث والمعاصر للكلمة، المواطنة بوصفها الحق وإنسان الحق.

نعم، إننا نشهد اليوم في بعض أوطان العرب ظهور أيديولوجيا العجز، وهي أخطر أشكال الأيديولوجيات.

لماذا؟ لأن أيديولوجيات العجز تولد لدى معتنقيها طاقة على الموت المجاني الضائع، والمتأمل في أيديولوجيا العجز لدى الميليشيات يدرك خطورتها على الحياة.

ولعمري بأن صحوة العقل تحتاج إلى صحوة ضمير، إذ لا انفصال بين العقل والضمير، وأقصد الضمير الأخلاقي الذي يجب أن يحملنا دائماً على التفكير العقلي بشؤون الحياة.

فالجهل المقدس الذي يتعين اليوم بأيديولوجيات العجز، لا يواجه إلا بعقل التجاوز البناء، بعقل التفكير بالشروط التي تجعل الآنسان فرحاً بانتمائه.

فأيديولوجيا العجز هي أيديولوجيا الموت.

 

كاتب وأكاديمي فلسطيني*

طباعة Email