ترميم النظام الدولي

ت + ت - الحجم الطبيعي

سارع الجميع في العالم إلى الحديث عن مفاجأة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأنه باغتهم بإعلانه الحرب في أوكرانيا وبإصراره بأنه لن يخرج إلا بعد تحقيق أهدافه من الحرب التي شنها.

الحديث عن المباغتة جاء على لسان أغلب السياسيين الغربيين، وتناسوا، عمداً، أنهم كانوا يحددون تواريخ إعلان بوتين الحرب وفق معلومات استخباراتية خاصة بهم، كما جاء حديث المباغتة على ألسن المحللين الغربيين وغيرهم في العالم ولكن علينا أن نعتقد بأن حديث المباغتة والمفاجأة ليس سوى نوع من التهرب الدبلوماسي الأنيق من مسؤولية من قاموا بفعل تحريض الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، الذي يبدو أنه لم يكن يدرك حجم ردة فعل روسيا مع أن هناك تجارب في جواره كانت كافية لاستيعاب ما سيحصل والتفكير في أبعاد المعطيات الدولية المتعلقة في إعادة تشكيل النظام الدولي من جديد.

فالخطوة الروسية تجاه أوكرانيا لا يمكن اعتبارها مجرد مقطع إضافي من السجالات القديمة المستجدة مع الغرب والولايات المتحدة خاصة، إنها تختلف هذه المرة من حيث طبيعتها عن الاحتكاكات السابقة من الجوار الروسي. سلسلة الاحتكاكات العسكرية في الشيشان وجورجيا وحتى أوكرانيا نفسها، وإذا أردت أبعد من ذلك تختلف حتى تلك الاحتكاكات في سوريا، لكنها لم تكن بالحدة التي نراها الآن من خلال ردة فعل الطرف الغربي القلق وغير القادر على إقناع روسيا بالتراجع.

وأخطر ما في الاحتكاك الجديد أن اللغة السياسية تعدت التهديد الدبلوماسي ليصل إلى التهديد النووي ما أفزع العالم كله بما فيها دول لم تعتد على التفاعل مع القضايا الدولية مثل اليابان التي شهدت مظاهرات ضد روسيا، فهذا المشهد لا بد أن يكون له أثمان غير عادية سواءً انتهت الحرب بالتسوية أم استمرت.

استقبلت تبريرات الحرب في أوكرانيا بقدر من القبول والاقتناع السياسي من منطلق أن أعضاء حلف الناتو هم من تسببوا في الأمر من خلال تحفيزهم الإعلامي والسياسي لكييف ضد بوتين، مع أن المنطق الاستراتيجي في العلاقة بين الغرب وروسيا يفرض عدم التصعيد باستفزاز الآخر من خلال جواره الجغرافي أو ما يعرف بـ«الحديقة الخلفية». وتجربة صواريخ كوبا في 1962 تساعد على طرح مثل هذا النوع من الحديث، وربما هذا التبرير يفسر حالة التردد والتراجع لدى الغرب في الانخراط في الحرب والمجازفة فيها لأنهم كمن يشعر بالحرج من سوء تقدير موقفه ولكن لا يريد أن يعترف.

ما زالت تداعيات الحرب في بداياتها، وإن كشفت عن بعض جوانبها الكارثية على المستوى الإنساني والأخلاقي، لكن إذا تأكدت وقائع الاستراتيجية التي بدأت مع عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بعدما استشعرت العديد من دول العالم حالة تراجع مكانة الولايات المتحدة على الساحة الدولية فإننا سنشهد تقسيمات في المواقف لأن روسيا يبدو أنها لن تتراجع عن تحقيق أهدافها، وقد نشهد اصطدامات سياسية بين دول العالم. فخلال العقد الماضي كان الحديث في الغرب والشرق يدور حول «نهاية العصر الأمريكي» وأننا بصدد نظام دولي متعدد الأقطاب يشمل بجانب أمريكا، الصين وروسيا وحتى أوروبا، فهل ما نراه يمكن أن يكون بداية تشكل هذا النظام أو أن النظام الدولي الحالي سينتعش ويعود كما كان بعدما صرح أمين عام الناتو أن الحلف العسكري أصبح أكثر تماسكاً مما كان؟!

الصراع الدولي في أوكرانيا ينذر بحدوث شيء مختلف في النظام الدولي، لأنه من الصعب الاقتناع بأن الهروب إلى الحرب بعد كارثتين عالميتين هو القرار الأصوب لأي دولة في العالم، فنحن أمام إرهاصات حدث دولي كبير حتى لو نجحت المساعي الدبلوماسية في تبريد الملف الأوكراني لكن سنشهد تغيرات في الاستراتيجية العالمية.

 

* كاتب إماراتي

طباعة Email