«حكايات أهل الفن»

قصة زهور حسين وأغنية «غريبة من بعد عينك»

ت + ت - الحجم الطبيعي

يعد الملحن العراقي عباس جميل الشيخلي (ولد عام 1921 وتوفي عام 2005) من أساطير الموسيقى العراقية، فعلى مدى نصف قرن قدم أجمل الألحان البغدادية لعدد من أشهر وأعذب الأغاني العراقية الخالدة إلى يومنا هذا، وفي عام 1942 تعرف في دار الإذاعة العراقية إلى المطربة المعروفة زهور حسين (ولدت في 29 مايو عام 1924)، صاحبة البحة الجميلة في صوتها الشجي المليء بالرقة والعاطفة، فكون معها ثنائياً فنياً متميزاً بدليل أنها غنت من ألحانه ستين أغنية من أصل أغانيها الثمانين، من أشهر هذه الأغاني: «يم عيون حراقة»، «جيت لأهل الهوى»، «عليمن تعتب يا قلب عليمن»، «صلوات الحلو فات»، «أخاف أحجي، عليّ الناس يحجون»، و«تفرحون أفرحلكم». لكن حديثنا هنا سيقتصر على أغنية «غريبة من بعد عينك يا يمة» التي تقول كلماتها:

غريبة من بعد عينج يايمه

محتار بزماني

ياهو اليرحم بحالي يايمة

لو دهري رماني

حاجيني يايمة.. فهميني يايمة

قضيتي لجلي ايام وليالي

سهرانه عليّ

ولو شفتي الالم اثر بحالي

رضيتي بالمنيه

هذه الأغنية المؤثرة نظمها الشاعر عباس العزاوي، وصاغها لحناً عباس جميل، ولها قصة منشورة في الصحافة العراقية ملخصها هو أن عباس العزاوي كتبها في أواسط الخمسينيات (1956 تحديداً)، وأعطاها لعباس جميل كي يلحنها قائلاً له إنها أغنية وطنية يشبّه فيها الوطن بالأم، وكيف أن الإنسان الذي يهجر وطنه هو كمن يترك أمه ويصبح غريباً بعيداً، وموضحاً أنه تعمد التورية خوفاً من السلطات التي قد تسيء فهم الموضوع سياسياً فيحدث ما لا تـحمد عقباه.

يقول عباس جميل إنه تسلم النص واحتفظ به لكنه اعتذر عن تليحنه آنذاك بحجة أن الأغاني الوطنية وكذلك الأغاني التي تتناول الأم ليست رائجة وغير مربحة، ويضيف أنه لم يُخرج النص من أدراج مكتبه ويبدأ في تلحينه إلا بعد أن رغبت زهور حسين في غناء أغنية تخلد بها ذكرى أمها الحبيبة التي كانت قد توفيت في تلك الفترة، وتسببت وفاتها في حزنها الشديد عليها، ما حدث بعد ذلك أن زهور حسين تحمست للعمل وذهبت إلى الإذاعة للتسجيل لكن البروفات وعملية التسجيل النهائية استغرقت وقتاً طويلاً واكتنفتها صعوبات لأن زهور حسين كانت تتذكر أمها الراحلة فتنخرط في البكاء بين مقطع وآخر، فيضطر الموسيقيون إلى التوقف والانتظار ثم تكرار المحاولة، وفي إحدى المرات طارت الورقة التي كانت تقرأ منها وهبطت تحت كرسي عازف القانون، وعندما راحت زهور لاستعادتها وقعت الآلة على الأرض وانكسرت، الأمر الذي تسبب في تعطيل مضاعف.

والمعروف أن زهور حسين رحلت عن دنيانا في24 ديسمبر من عام 1964 بعد تعرضها لحادث سير على الطريق من بغداد إلى الحلة، حيث كانت في طريقها مع شقيقتها لزيارة زوج الأخيرة الموقوف في سجن الديوانية، وكتب الناقد الموسيقي عبدالوهاب الشيخلي في صحيفة المدى العراقية (18/5/2016) أنه برحيلها المبكر فقد الغناء العراقي صوتاً لا يتكرر وقدرة فذة على أداء أصعب المقامات العراقية، مضيفاً أن أغنيتها «غريبة من بعد عينك يا يمة» كانت أيقونة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات التي أبكت المثقفين والفنانين، بل لم تكن الأمهات يسمعنها إلا وتسيل الدموع بغزارة من مآقيهن.

طباعة Email