همومُ الرجال الكبار

ت + ت - الحجم الطبيعي

حين يكون الإنسان أصيل الرأي والرؤية يتسع مدى قلبه وعقله وروحه ليشمل بالخير كل البشر، وحين يكون القائد قد تربى في ظل العز والمجد والحكمة، فلن يكون إلا ذلك الإنسان الذي يتمنى الخير لأمته كلها، والتاريخ شاهد على أنّ صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، قد تربى في ظلال العزّ والشرف والحسّ العميق بالمسؤولية الكبرى تجاه وطنه وأمّته والإنسانية جمعاء، يشهد على ذلك كلّ ما يكتبه ويقوله ويعضّده بالفعل القوي الذي يتميز به عن غيره من القادة، وكيف لا يكون ذلك كذلك وهو الرجل الذي نهل علوم الحياة وسياسة الأوطان من كبار شيوخ الوطن وبُناته الأوائل الذين أسهروا العين في سبيل مجد الوطن وكرامة الأمة، وهو ما عبّر عنه صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد وبنبل منقطع النظير حين افتتح كتابه الثمين «رؤيتي: التحديات في سباق التميز» بقوله: «سألني أحد الصحفيين ونحن في العشر الأواخر من رمضان: لو منّ الله عليك برؤية ليلة القدر فماذا كنت ستتمنى؟ فقال صاحب السموّ: أردتُ القول: كنت أتمنى أن يُعلي ربي القدير شأن الإمارات ويُعزّ شعبها ويزيد خيرها، ولكنني استوقفت نفسي لحظة وفكرت لحظات وقلت: لو أنني تمنيت كل هذا وأكثر منه لكل الأمة العربية فهل كنت سأحرم شعبي من أمنيتي وهو الجزء الإماراتي الألصق بالقلب من الكلّ العربي الذي يعيش فيه؟».

هذا هو خلق صاحب السمو وهذه هي همومه الكبرى التي تنطوي عليها جوانحه حباً لوطنه وأمته، وها هو يطلع علينا بوجهه السمح وقلمه الفياض بالحب بتغريدة بديعة نشرها على حسابه في تويتر تحت وسم «علّمتني الحياة» تُرجّع الأصداء العميقة لتلك الأمنيات التي أفصح عنها في مقدمة كتابه الثمين ليكون ذلك دليلاً فوق الدليل على أنّ رجال هذا الوطن يعرفون قدر أمّتهم ويسعون في مصالحها ويتمنون لها من الخير ما يتمنونه لشعب الإمارات الطيب الأصيل.

«العالم يمرّ بمتغيرات كبيرة، وموازين جديدة، وتحالفات صعبة... لن تكون الغلبة في النهاية إلا للأمم القوية الغنية المتقدمة» بهذه الكلمات المكثفة العميقة الدلالة على الواقع الذي نعيشه ونتبصر حقائقه يفتتح صاحب السموّ هذه التغريدة من خلال إلقاء ضوء كاشف على الحقائق الماثلة للعيان، والتي يحتاج الحديث عنها إلى جرأة وحكمة، فالعالم المعاصر واضح المعالم، وإيقاع التغيير في موازين القوى لا يهدأ، والتحالفات ضمن منظور المصالح والمكتسبات هي التي تهيمن على التحركات السياسية، والموازين الحديثة تتغير كل يوم لصالح المنافع، والتحالفات الاقتصادية العسكرية لا تهدأ وتيرتها، وملامح الصراع على المكاسب لا تخفى على ذي بصيرة، ولكن النتيجة بحسب عبارة صاحب السمو ستكون لصالح الأمم القوية المنظمة الغنية التي تأخذ بأسباب القوة والتمكين، وتبذل أقصى الجهود في سبيل الحفاظ على موقعها الحضاري المتميز على الخريطة العالمية، وهو شيء يؤكّده منطق التاريخ ومسيرة التحولات، فالأمم المتنبهة لحقوقها الساعية بحزم وجِدّ في مصالح شعوبها هي التي تفوز في المحصّلة النهائية، لتكون الأمم الضعيفة المتفرقة هي التي تدفع ثمن تفرقها وغفلتها وعدم أخذها بزمام المبادرة في هذا المضمار العالمي الذي لا يعترف إلا بالقوة في جميع تجلياتها ومكتسباتها.

«ألم يحِن للعرب أن يتقاربوا، ويتعاونوا، ويتفقوا، حتى يكون لهم وزن ورأي ومكانة في التاريخ الجديد الذي يُصنع الآن» وبهذه اللغة التي تفيض بالحب للأشقاء وترفع الصوت عالياً من أجل تنبيههم وإيقاظ روح المجد في أرواحهم، يتساءل صاحب السمو تساؤلاً لا يخلو من ملامح الألم على هذه الأمة التي ضاع الكثير من حقوقها ومكانتها بسبب تفرقها وعدم وحدتها، فيدعوها بهذه الكلمات الصادقة النابعة من قلب عميق الاعتزاز بأمته يدعوهم لكي يتقاربوا فيما بينهم، ويتكاتفوا ويكون التعاون هو الروح الذي يسري في علاقاتهم، وتكون كلمتهم واحدة تجتمع على نصرة قضاياهم فيكون لهم الوزن الراجح بين الأمم، ويكون لهم الكلمة المسموعة في أروقة السياسة والاقتصاد وجميع مسارات الحياة، ويدخلوا من أوسع الأبواب في مسار التاريخ الحديث الذي يقوم على صناعته الدول الأخرى بالتوحد والاتفاق والإنجاز وخلق التحالفات التي تضمن لهم التفوق وتحقيق مصالحهم، ومن هو أوفر حظاً من العرب بالمجد لو اجتمعت كلمتهم وتوحدت صفوفهم، واستعادوا هيبتهم الحضارية التي كانت لهم ذات يوم؟ لتظل كلمات صاحب السموّ شاهداً على صدق الدعوة لتحقيق هذا المطلب العزيز الذي فيه مجد العرب وشرف الأمة وتحقيق المستقبل اللائق بالأجيال القادمة التي ستفتح عيونها على عالم جديد تتم صناعته في هذه اللحظات التاريخية الفاصلة في مسيرة البشرية المعاصرة.

 

طباعة Email