تونس بين الاستثمار الداعم والاستثمار المشروط

ت + ت - الحجم الطبيعي

تخوض تونس منذ أشهر، مفاوضات عسيرة مع جهات مانحة دولية، وبالخصوص مع صندوق النقد الدولي، الذي يطالبها باتخاذ إجراءات تقشّفية صارمة، تتعلّق تحديداً بمراجعة منظومة دعم المواد الأساسية والمحروقات، وكذلك خصخصة بعض والمؤسسات، والحدّ من كتلة الأجور في الوظيفة العمومية، وهي إجراءات وشروط يرفضها الاتحاد العام التونسي للشّغل (اتحاد العمّال)، وعديد الأطراف الأخرى، ويرون أنه ستكون لها تداعيات خطيرة على الاستقرار الاجتماعي، وعلى المقدرة الشرائية للمواطن التونسي.

وفضلاً عن هذه التداعيات الاجتماعية السلبية لشروط صندوق النقد الدولي، فإنّ الأخطر بالنسبة لتونس، هو الربط الذي تقوم به بعض الجهات الغربية بين تمويل الاقتصاد التونسي، وعدد من الإملاءات، والشروط السياسية التي منها المحاولات اليائسة لإيجاد دور لحركة النهضة الإخوانية، في المشهد الحُكمي والسياسي في تونس.

وتأتي هذه الضغوطات الغربية، لفرض حركة النهضة الإخوانية على المشهد السياسي والحزبي، وذلك في معارضة صارخة لرغبة عموم التونسيين، الذين انتفضوا ضدّ حُكْمِ النهضة، بما قاد إلى الحراك التصحيحي الذي قام به الرئيس التونسي قيس سعيّد، يوم 25 يوليو الماضي، وهو حراكٌ رأى فيه المراقبون أنّه أعاد هيبة الدولة، وساهم مباشرة في الاستقرار الاجتماعي، وفي تحسين مناخ الاستثمار الداخلي والخارجي

وقد أبدى الرئيس سعيّد، معارضة واضحة لشروط صندوق النقد الدولي، التي لها تداعيات سلبية على الفئات الضعيفة من التونسيين، وهو ما يبدو أنّه دفعه إلى البحث عن بدائل أخرى لتمويل الاقتصاد التونسي، من شأنها أن تخفّف الضغط على الدولة التونسية، وتعطيها هوامش أكبر في المفاوضات مع الجهات الدولية المانحة، وربّما تعفيها من الالتجاء إليها.

وقد وجد الرئيس سعيّد، في ما يبدو، في استثمار العلاقات التاريخية الجيّدة، التي تربط تونس ببعض الدول، سبيلاً للخلاص من ابتزازات هذه الجهات الدولية المانحة، وإنّ في تكثيف الاتصالات، تحديداً مع دولتي الإمارات والمملكة العربية السعودية، دليل على أنّ القناعة باتت راسخة عند الرئيس التونسي، بأنّ العودة إلى العناوين الجدّية في البحث عن مصادر للتمويل والاستثمار في تونس، قد يُنسي التونسيين الخيبات المتتالية التي لحقتهم، جرّاء الوعود الكاذبة لجهات أخرى، حاولت النهضة الإخوانية ربط مصير تونس بها، مقابل دعمها مادّياً وسياسياً، لمزيد تمكينها من مفاصل الدولة، والمجتمع في تونس.

وكما يُقال، فإنّ أوّل الغيث قَطْرٌ، فقد أعلنت مجموعة اقتصادية إماراتية مهمّة، عن عودة نشاطها الاستثماري في تونس، وكذلك الأمر، بدأت الإعلانات والمؤشّرات عن عودة قويّة للاستثمارات السعودية والفرنسية والصينية، وهو ما يعني أنّ منسوب ثقة المستثمرين في تونس، بدأ يرتفع.

ولعلّ الاتصال الهاتفي الذي قامت به رئيسة الحكومة التونسية، نجلاء بودن، مع صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، يؤكّد هذا المنحى، وهو يمثّل دليلاً إضافياً على إرادة تونس، وحرصها على ربط جسور التعاون الثنائي، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين، ويؤمّن تونس ضدّ محاولات رهنها إلى جهات إقليمية ودولية، ما انفكت تكثّف تدخلاتها في الشأن التونسي، لفرض إملاءاتها السياسية، خدمة لأجنداتها السياسية، وأجندة الإخوان الدولية.

الخبر يقول إنّ صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بحث مع رئيسة الحكومة التونسية، خلال الاتصال، علاقات التعاون في مختلف الجوانب، والسبل الكفيلة بتعزيزها وتطويرها، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين، ويلبي تطلعات شعبيهما، ويُضيف أنّ سموّه أعرب لبودن، عن تمنيات سموه لتونس دوام السلم والاستقرار، والتوافق الوطني، الذي يكفل تجاوز مختلف التحديات التي تواجهه، والمضي قدماً لتحقيق كل ما يتطلع إليه الشعب التونسي نحو التنمية والازدهار، ومستقبل مشرق وواعد لأبنائه. وتعليق أغلب مكوّنات الطيف السياسي والحزبي، وكذلك منظمات المجتمع المدني، وعلى رأسها اتحاد العمّال، هو أنّ الحراك التصحيحي لـ 25 يوليو الماضي، فتح الباب مشرعاً أمام توافق وطني، وبين الوطنيين، وهو توافق فعلي وغير مغشوش، لأنّه يستثني، ويجب أن يستثني من ربط مصيره بأجندات الآخرين، وقاد تونس إلى متاهات التطرّف والإرهاب، وقوّض طوال عشرية حُكْمٍ كارثية على تونس، مقوّمات دولة تفخر بعراقتها، وبطابعها الحداثي، وحاول الرجوع بها إلى العصور الماضوية والحجرية.

إنّ حركة النهضة الإخوانية، بقيادة زعيمها راشد الغنّوشي، هي بلا شكّ جزء من المشكل، ولن تكون بحسب جلّ الأطراف السياسية والمدنية التونسية، جزءاً من الحلّ، وهي التي رفضت أن تلبس العباءة الوطنية على مدى سنوات حكمها، وتمسكت في المقابل، بخدمة الأهداف الإجرامية لحركة الإخوان الدولية.

وقد أظهرت الأحداث، أنّ هذه الحركات التي تتستّر بالدين، وتحاول توظيفه، قد تغيّر سلوكها على سبيل التكتيك والمناورة السياسية، ولكنّ جوهرها ثابت، وأهدافها واضحة، ولا تتغيّر مطلقاً: تدمير الدول والمجتمعات، لعدم إيمانها أصلاً بالكيانات الوطنية.

 

* كاتب تونسي

طباعة Email