الاستثمار في إبداع المرأة

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا شك في أن الإمارات، من أوائل دول المنطقة في وضع الاستراتيجيات والخطط الرامية إلى ترسيخ المساواة الجندرية في مجالات العمل والإبداع والتأهيل كافة. فإنشاء مجلس التوازن بين الجنسين، في حد ذاته، إشارة إلى ضرورة أخذ المساواة الجندرية بصورة جدية، ولهذا تعد الإمارات رائدة في ترسيخ المساواة بين الجنسين، فعلاً وليس قولاً. والمساواة أشكال متعددة. فمثلاً، هناك المساواة في الابتكار والإبداع، التي تعني المساواة في الوصول إلى وسائل التدريب والتكنولوجيا وفرص العمل، وغيرها من الوسائل التي تتيح المساواة في فرص الإبداع. والملاحَظ أن المرأة بصورة عامة، وعلى مر العصور، كانت ضحية للعادات والتقاليد القمعية، التي حرمتها في الكثير من الأحيان حقوقها المدنية، وعلى رأسها حق التعبير والإبداع، وكان صوتها من الأصوات المقموعة، وخصوصاً في مجال الثقافة والابتكار.

وعلى الرغم من أن الدين الإسلامي قد أعطى المرأة الكثير من الحقوق وكرمها، إلا أن العادات والتقاليد، أحياناً تقوم بقمع المرأة، وحرمانها من أبسط حقوقها، وعلى رأسها حقها في الابتكار والإبداع، تحت اسم العيب والحرام. وفي القرن العشرين، تحول يوم الثامن من مارس في كل عام، إلى يوم عالمي للاحتفاء بإنجازات المرأة الإبداعية، ورمز للحرية الأنثوية. فبعد قرون من الاستبعاد الثقافي، أصبح للمرأة نصيب في مجال الثقافة الإبداعية. فأبدعت المرأة، وتفوقت في مجالات الثقافة كافة، من فنون بصرية وكتابية.

وتعد الثقافة حقلاً من الحقول التي أبدعت فيها المرأة، وإن لم تكن خطواتها في هذا المجال سهلة على الإطلاق. فعلاقة المرأة بالثقافة، علاقة جدلية، إذ كان طريق المرأة في المجال الثقافي دوماً، محفوفاً بالأشواك والمحاذير. فهذا الحقل من الحقول التي تهيمن عليها النزعة الذكورية، ولهذا، يعد ولوج المرأة فيه، حتى وقت قريب، ضئيلاً للغاية. وعلى الرغم من وعورة طريق الثقافة، إلا أنه شهد إبداعات نسوية متميزة على مر العصور. ففي الكثير من الأحيان، كانت إبداعات المرأة تأتي تحت تسميات مجهولة، حفاظاً على خصوصية المرأة، وحتى لا تتعرض للانتقاد من محيطها الاجتماعي. ولكن هذا الوضع لم يكن له أن يستمر طويلاً، وخصوصاً في ظل التقدم الذي أحرزه وضع المرأة في المجتمع.

إن الوجود الأنثوي في مجال الثقافة، عنصر مهم للارتقاء بوعي المجتمع ككل. فالمرأة روح المكان، ومربية الأجيال، والقادرة على نقل الثقافة من جيل إلى آخر. ومن المؤكد أن مقولة «أعطني امرأة مثقفة، أعطِك مجتمعاً مثقفاً»، هي حقيقة، بحكم علاقة المرأة بالتنشئة، وتعزيز روح المواطنة في نفوس الأجيال الجديدة. فالمرأة هي المسؤولة عن تخريج جيل مطّلع، قارئ ومثقف، ولذا، فإن الاستثمار في ثقافة المرأة، عنصر مهم للارتقاء بوعي المجتمع ككل وتقدمه. وكلما زاد الاستثمار في إبداع المرأة، زاد الاستثمار في المجتمع ونهضته.

وفي تقييم الإبداع، تأخذ قضية الجندرية حيزاً واضحاً وملموساً. فعلى الرغم من أن النظر إلى الإبداع، يجب أن يكون خارج نطاق الجندر، إلا أنه، شئنا أم أبينا، يؤدي دوراً كبيراً في تقييم الإبداع. فالملاحَظ أن غالبية الجوائز العالمية في مجال الثقافة والفكر والإبداع، هي من نصيب الرجل، ليس لأن الرجل يبدع أكثر من المرأة، وليس لأن قدرة المرأة أقل من قدرة الرجل في الإبداع العلمي والأدبي، ولكن لأن التقييم أحياناً كثيرة، ينصف الرجل على حساب المرأة. فنجد أن هناك هيمنة ذكورية على الجوائز الثقافية، بحكم أن التحكيم والتقييم، يهمين عليه في معظم الأحيان ذكور. كما أن النظر إلى قضية إبداع المرأة، أنه أقل من إبداع الرجل، يؤدي أحياناً دوراً كبيراً في استثناء أعمال أنثوية إبداعية. إن المساواة في تقييم الإبداع، حق طبيعي للطرفين، مع الأخذ في الحسبان فقط، قيمة العمل الفنية والإبداعية، وليس جنس المؤلف.

إن الاستثمار في إبداع المرأة، في واقع الأمر، استثمار في طاقات المجتمع الخلاقة، وهو أيضاً استثمار يعطي مردوده سريعاً. فتمكين المرأة، تمكين لجيل بكامله. ولهذا، يجب أن تولي جميع مؤسسات الدولة الرسمية وغير الرسمية، جهوداً مكثفة للاستثمار الخلاق في إبداعات المرأة، عن طريق التدريب والتأهيل، وبناء الكوادر، وتعزيز القدرات. فلا مستقبل لمجتمع، إلا بنهضة نصفه الآخر.

 

* جامعة الإمارات

طباعة Email