الفائز في أزمة أوكرانيا

ت + ت - الحجم الطبيعي

الفائز الأول من أزمة أوكرانيا هو الصين، فالانشغال الأمريكي بأوروبا يصب في مصلحة العملاق الآسيوي، الذي يمكن أن تمتد جوانب استفادته لما هو أبعد بكثير من مجرد الانصراف الأمريكي.

فليس سرا أن الصين، لا روسيا، هي من تعتبرها الولايات المتحدة «التهديد الأول» لها. وتعتبر بعض دوائر النخبة الأمريكية أن الولايات المتحدة مسؤولة عن ذلك الوضع حين لم تنتبه في الوقت المناسب لتنامي القوة الصينية بل سمحت بتناميها عندما سعت بنفسها لدمج الصين في الاقتصاد العالمي أملاً في أن يغير ذلك من طبيعة النظام السياسي، فلم يتغير النظام وازدادت قوة الصين الاقتصادية.

والحقيقة أن تلك القوة الاقتصادية صاحبها تنامٍ للنفوذ الصيني حول العالم، فلم تصبح الصين فقط لاعباً اقتصادياً رئيسياً في أقاليم العالم المختلفة وخصوصاً في أفريقيا، وإنما ازداد الإنفاق العسكري الصيني في العقد الأخير، بينما صارت الصين مُصدّراً للسلاح والتكنولوجيا حول العالم. وفي حين أن النفوذ الصيني اقتصادي في المقام الأول إلا أن الولايات المتحدة صارت تتوجس من نفوذها العسكري لا فقط الاقتصادي. ورغم أن للولايات المتحدة ما يقرب من 800 موقع وقاعدة عسكرية حول العالم، فإنها باتت تتوجس من بناء الصين قاعدة عسكرية وحيدة لها في جيبوتي، وراحت تجهز لمنشأة عسكرية لها في غينيا الاستوائية على المحيط الأطلنطي.

ومن هنا، تسعى إدارة جو بايدن للبناء على الأفكار التي برزت في عهد إدارة باراك أوباما فيما صار يعرف بـ«المحور الآسيوي»، وهي استراتيجية هدفها تطويق الصين في الإقليم الذي صارت الولايات المتحدة تسميه «الهندي والهادي»، رغم الاختلافات الواضحة بين دول الإقليم، وتقوم تلك الاستراتيجية على بناء تحالفات عسكرية وأمنية مع دول تلك المنطقة، والوجود العسكري المباشر بها.

ولذلك تعزز الولايات المتحدة من دور «الرباعية»، المكونة إلى جانب الولايات المتحدة من أستراليا والهند واليابان، وسعت أمريكا لمد الوجود النووي إلى أستراليا عبر الاتفاق الذي فاجأ العالم العام الماضي وأطلق عليه تحالف «الأوكاس»، والذي يرمز للحروف الأولى لدوله الثلاث، أستراليا والولايات المتحدة وبريطانيا، إلا أن المفارقة هي أن الاتفاق الذي هدف لدعم احتواء الصين أدى لنتيجة عكسية، فقد كشف عن حجم التصدع في التحالف الغربي، فبموجب ذلك الاتفاق قامت أستراليا بإلغاء صفقة بمليارات الدولارات كانت قد عقدتها مع فرنسا لشراء غواصات تعمل بالطاقة الكهربية واشترت بدلاً منها غواصات أمريكية تعمل بالطاقة النووية، وهو ما أدى لرد فعل عنيف من فرنسا وقتها، حيث اعتبرته «طعنة في الظهر»، على حد تعبير وزير الخارجية الفرنسي آنذاك. ولعل تلك الواقعة مثلت حافزاً إضافياً لفرنسا لتقوية علاقاتها مع الصين.

وفي القمة الفرنسية الصينية الشهر الماضي، أعلن الرئيس الصيني تأييده لما يسمى «الاستقلال الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي»، وهو الذي تعتبره الصين أنه يعني الاستقلال عن الولايات المتحدة، وإن كان الأوروبيون يصرون على أنه يعنى الاستقلال عن كل من الصين وأمريكا.

وفي القمة نفسها، اتضح التباين بين فرنسا وأوروبا بخصوص الصين، فقد كان واضحاً رغبة الأولى في تحقيق إنجاز بخصوص اتفاقية «الاستثمار الشامل» بين الاتحاد الأوروبي والصين، والتي لن يوافق الاتحاد عليها طالما الصين ترفض التوقيع على القواعد الخاصة لمنظمة العمل الدولية.

وفي هذا السياق، انفجرت أزمة أوكرانيا، فباتت الصين هي الفائز الأول لأسباب عدة، أولها أن الأزمة كشفت عن تصدع لا شفاء منه في هيكل النظام الدولي، وهو بالضبط ما تسعى له الصين. فالنظام الدولي الذي أسسته أمريكا ليعمل لصالحها كان من وجهة نظر الصين ظالماً ومقوضاً لمصالحها، لذلك فهي سعت لتغييره ونجحت في تغيير هيكله اقتصادياً حين صارت لاعباً رئيسياً فيه وباتت تسعى اليوم لتغيير هيكله العسكري على الأقل في آسيا، فإذا بأزمة أوكرانيا تحدث تحولاً فيه امتد ليشمل أوروبا، أما السبب الثاني فهو ما ستكشف عنه الأزمة من سقف الحركة الذي يمكن لخصوم أمريكا التحرك فيه، وهو ما تراقبه الصين بجدية، وثالث تلك الأسباب هو أن أزمة أوكرانيا ستفرض على أمريكا فرضاً ألا تتوجه فقط نحو آسيا وإنما نحو أوروبا أيضاً مما يعنى انشغالاً يصب بالضرورة في مصلحة الصين.

طباعة Email