«حكايات أهل الفن»

قصة «نشيد الخيالة» السوفييتي والرحابنة

ت + ت - الحجم الطبيعي

من الأناشيد والأغاني التي انتشرت في العالم أثناء الحرب العالمية الثانية الأغنية الشعبية الروسية «يوليوشكا بولي» أو «نشيد الخيالة» الروسي التي كتب كلماتها فيكتور غوسيف ولحنها الملحن الروسي ليف كنيبر عام 1934 ضمن سيمفونيته الرابعة، ثم صارت تعزف بكثرة من قبل فرقة موسيقى الجيش الأحمر السوفييتي كنوع من الدعاية الحماسية تحت اسم «فرسان مارس الحمر»، وما لبث أن اشتهرت الأغنية على مستوى العالم بعد أن تم إعادة نسخها وتحويلها إلى موسيقى الروك والبوب، ولعل ما زاد من شهرتها تضمين اللحن في الفيلم الكوميدي الأمريكي «الروس قادمون الروس قادمون»، الذي تم تصويره وإنتاجه في كاليفورنيا عام 1966 من إخراج نورمان جويسون، وفاز بجائزة غولدن غلوب لأفضل فيلم موسيقي كوميدي.

تقول كلمات الأغنية بالروسية:

السهل السهل

حقل مترامي الأطراف

أبطال يركبون الميدان

يا أبطال الجيش الأحمر

الفتيات يبكين

الفتيات اليوم بائسات

أحباؤهن يغادرون لفترة طويلة

أحباؤهن يغادرون الجيش

نحن نرى فقط السحب الرمادية

كراهية العدو تبدأ من الغابة

كره العدو مثل هذه السحابة... إلخ

في عام 1974م قام الأخوان رحباني بتركيب اللحن الروسي نفسه على كلمات عربية، وقامت فيروز بغنائها تحت عنوان «كانوا يا حبيبي» في مسرحية «لولو» التي تحكي قصة فتاة تدعى لولو اتهمت بقتل ابن أختها ذي السنوات الخمس وحكم عليها بالسجن المؤبد، وبعد أن أمضت قرابة 15 سنة داخل المعتقل تبين أنها بريئة وأن ابن أختها قتل نفسه خطأ بمسدس، فأطلق سراحها لتقرر الانتقام من كل الذين شهدوا ضدها ظلماً، وقد نجحت في أن ترعبهم وتخيفهم لكنهم اتهموها بالجنون وحبسوها في مستشفى للأمراض العقلية، وتخلصوا منها بالقتل. تقول كلمات الأغنية الفيروزية التي ظل العرب لسنوات طويلة يعتقدون أنها من إبداعات الرحابنة الخالصة:

كانوا يا حبيبي.. ثلج وصهيل وخيل

مارق ع باب الليل

كانت أصواتن تاخذنا مشوار

صوب المدى والنار

حلفتك يا حبيبي

لا تنسى يا حبيبي

لما تسمع هالغنية

فكر فيّ يا حبيبي

وفي منتصف هذه الأغنية وضع الرحابنة موسيقى أغنية «كاتيوشا» وهي أغنية شعبية روسية أخرى من زمن الحرب العالمية الثانية (كلمات ميخائيل إيزاكوفيكسي وألحان ماتفي بلانتر) غنتها لأول مرة المطربة الروسية الشعبية ليديا روسلانوفا عام 1938، وكان الرحابنة قد استخدموا موسيقى هذه الأغنية في أغنية «حنا السكران» التي غنتها فيروز عام 1973 من كلماتهم.

ومن هنا قيل إن لحن أغنيتي «كانوا ياحبيبي» و«حنا السكران» هو أوضح مثال على الاقتباسات الفنية التي قام بها الرحابنة، وإنْ كانوا اتهموا أيضاً باقتباس لحن أغنية «يا أنا يا أنا، أنا وياك» للموسيقار النمساوي الأسطوري موزارت في سيمفونيته رقم 40، هذا ناهيك عن قيام ابنهم زياد الرحباني في الثمانينيات باختيار «كونشرتو دي آرنخويت» من عام 1939 والذي يعد أشهر معزوفة للموسيقار الأسباني الكفيف «يواخين رودريغو»، واستخدامه في لحن أغنية «لبيروت من قلبي سلام» التي غنتها والدته فيروز من كلمات جوزيف حرب، وهي الأغنية التي انتشرت كثيراً عام 2020 في أعقاب انفجارات مرفأ بيروت.

غير أن هذا لا يقلل، بطبعية الحال، من مكانة وإبداعات الأخوين رحباني في عالم الموسيقى الراقية والكلمة الجميلة بدليل أنهما قدما للمستمع العربي بصوت فيروز الملائكي مئات الأعمال الخالدة، بل إن عملاً من أعمالهما هذه (أغنية حبيتك بالصيف.. حبيتك بالشتي) أعجب بها المغني الفرنسي الشهير جان فرانسوا ميكاييل، فغناها بنفس اللحن عام 1973 تحت اسم Coupable أي المذنب.

طباعة Email