السلوك الإنساني من الميول والاتجاهات إلى النتائج

ت + ت - الحجم الطبيعي

يمثل هذا المقال محاولة لبناء وتصميم نموذج تطبيقي يوظف ما نعرفه عن أبعاد السلوك الإنساني في الحياة العملية. يشتمل النموذج على منظومة متكاملة؛ تبدأ بالميول والاتجاهات، وتنتهي بتحقيق النتائج، مروراً بكل من الاهتمامات، والتفضيلات والأولويات، والأهداف.

إن الإحاطة بهذه المنظومة، والاجتهاد في استيعابها بصورة صحيحة، يُساهمان بشكل كبير في فهم تصرفات البشر، مع الوقوف على أسباب الاختلافات القائمة فيما بينهم؛ الأمر الذي يمكن أن يساعد في فهم وتبرير سلوكيات الأفراد، مع إمكانية التنبؤ بها قبل حدوثها، ويجعلنا في الوقت ذاته أكثر قدرةً على إدارة العلاقات الإنسانية، والتعامل مع مختلف السلوكيات بشكل فعال وإيجابي. 

الميول والاتجاهات (Tendencies & Attitudes)، تعبر عن المنطلق أو القاعدة التي ترتكز عليها العناصر الأخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الميول والاتجاهات والاهتمامات تتعلق بالجانب السلوكي (السيكولوجي)، والتفضيلات والأولويات والأهداف والنتائج تتعلق بالجانب الإجرائي (التنظيمي). 

الميول تستخدم عادةً لتحديد درجة التوافق مع موقف أو حالة معينة، أما الاتجاه فيستخدم لتحديد التوافق من عدمه مع ذلك الموقف، علماً بأن الميول والاتجاهات تعتمد بصورة أساسية على التفاعل بين العوامل البيولوجية للإنسان، وطبيعة تنشئته الاجتماعية. 

الاهتمامات (Interests)، تعبر عن الرغبات المُحفزة ذاتياً، وترتبط بعلاقة تفاعلية مع ميول الفرد واتجاهاته، ويمكن أن تؤثر أو تتأثر بالهوايات، مع الأخذ بعين الاعتبار إن اهتمامات الإنسان قد تتغير على حسب مراحل حياته المختلفة، وطبيعة الأصدقاء الذين يتعرف عليهم، وزملاء الدراسة والعمل الذين يتعامل معهم. 

التفضيلات والأولويات (Preferences & Priorities)، تعبر عن درجة أو تسلسل الأهمية التي يحددها الفرد بشكل واع، وتعتمد على الميول والاتجاهات والاهتمامات. مع التنويه إلى أن الأولويات تعتمد على التفضيلات في غالب الأحيان، وقد يتأثران بالمبادئ والقيم التي يؤمن بها الفرد، والتي تدفعه لإعادة النظر في تفضيلاته وأولوياته بين الحين والآخر. 

الأهداف (Objectives)، هي النهايات المرغوبة، وتحظى عادةً بقيمة عالية بالنسبة لأصحابها. بمعنى إن ما يُعدُّ هدفاً قيّماً ومفيداً لأحدهم قد لا يكون كذلك لشخصٍ آخر؛ لأن الأهداف تعتمد على تفضيلات الفرد وأولوياته، والتي تتباين فيما بين الأفراد. 

النتائج (Outcomes)، تمثل العواقب المتحققة، والمعبرة عن ثمرة بلوغ الأهداف التي تم إنجازها. بهذا الشأن لا بُدَّ من التثبت من كون النتائج متوافقة مع الأهداف المُنجزة، وهذا الأمر لا يمكن تحديده بصورة دقيقة إلا في حال توفر عملية قياس تأخذ بعين الاعتبار المعايير والمؤشرات المتعلقة بالأهداف. 

بالعودة إلى قاعدة المنظومة، يمكننا إيجاد سؤال مهم: هل الميول والاتجاهات قابلة للتغيير والتعديل؟ الذي نعتقده أن عملية التغيير ليست مستحيلة، لكنها بالتأكيد صعبة ومعقدة، وهذا الأمر يعود إلى طبيعة مكوّنات الميول والاتجاهات، والتي يمكن توضيحها كما يأتي: 

أولاً: المعلومات (المعرفة). 

ثانياً: العاطفة (المشاعر). 

ثالثاً: التصرف (السلوك). 

بناءً على هذه المكوّنات الثلاثة، يستطيع الفرد الاجتهاد في تغيير اتجاهاته بالاعتماد على نفسه أو من خلال مساعدة خارجية، إما من خلال تطوير الجانب المعلوماتي (المعرفي) الذي سيؤثر على الجانبين العاطفي والسلوكي، أو من خلال حدوث تغيير في الجانب العاطفي (المشاعري) الذي قد يدفع الفرد إلى إعادة النظر في معلوماته، ثم تأثر السلوك لاحقاً، كما أن عملية التغيير يمكن أن تتم من خلال ممارسة أفعال تجعل الفرد يميل نحو أمر معين لم يكن يميل إليه سابقاً، الأمر الذي يؤدي إلى تشكّل عاطفة نحو ذلك الأمر، ومن ثم إمكانية إعادة النظر في المعلومات المختزنة لدى الإنسان.

 

دكتوراه في الإدارة العامة خبير تطوير موارد بشرية

طباعة Email