حليب روسي

ت + ت - الحجم الطبيعي

هربت فور ولادتها لطفلتها، ثم عادت ثانية، وعندما سألوها لماذا فعلت ذلك أخبرتهم أنها لا تريد أن ترضع طفلتها، لأنها تخشى أن يكون الحليب ملوثاً!

هل هو الحليب الذي كان ملوثاً، أم أنه المناخ العام في «لاتفيا» هو الذي كان وقتها ملوثاً، وبأي نوع من أنواع التلوث؟ كانت الحقبة التي جرت فيها أحداث رواية «حليب سوفيتي» للكاتبة اللاتفية «نورا إكستينا» هي حقبة الاحتلال السوفيتي لبلدها، قبل أن ينهار الاتحاد السوفيتي وتنال دول البلطيق حريتها، وتعود «لاتفيا» لأبنائها.

كان الحليب هو عنوان الرواية، لكن وراء العنوان كانت العقدة، وكانت وراء العقدة مساحة كبيرة للتفكير في معاناة الشعوب تحت وطأة الاحتلال، أيًّا كان المحتل، ومهما حاول أن يجعل صورته تبدو جميلة، أو أضفى على احتلاله إطاراً يخطف به أبصار الواقعين تحته، ويخدع به أنظار البعيدين عنه.

«لم تعرف أمي شيئاً خارج هذا العالم. تغلق بابها قصداً عندما يعرض برنامج (فيرمايا – الزمن) في التلفاز، مع ليونيد إيليتش بريجنيف الألثغ. لم تقرأ جريدة ريغا فويس، التي يصطف من أجلها طابور طويل كل مساء في زاوية شارع غوركي. ولم تعرف عن الطابور الذي يساويه في الطول في فترة الغداء عند متاجر اللحوم والألبان، حيث يمكن شراء الزبدة والنقانق الشعبية التي تدعى نقانق الطبيب. أمي، ليس لديها أي فكرة عن عالم المدينة المألوف هذا».

هذه ملامح من صورة الأم التي كانت شغوفة بالطب، لكنها تعاني من القيود والتحولات التي فرضها تحكم السلطة الشمولية في كل مفاصل حياتها الاجتماعية والسياسية والشخصية، حارِماً إياها من شغفها وهويتها وإحساسها بالأمومة. في الجانب الآخر من الصورة ابنة حالمة متعلقة بالحياة، تعيش في رعاية جدتها لابتعاد أمها عنها، ابنة تعيش في مجتمع يحكمه الخوف من الاختلاف، حتى في أبسط الأشياء، كما تقتضي قواعد وقوانين النظام الشمولي الذي تدور في ظل هيمنته أحداث الرواية.

كانت فترة الاحتلال السوفيتي لدول البلقان، لاتفيا واستونيا وليتوانيا، هي الفترة التي دارت خلالها أحداث الرواية، التي جمعت بين أجيال ثلاث من النساء؛ الجدة والابنة والحفيدة. خلال هذه الحقبة العصيبة، التي امتدت من عام 1944 إلى عام 1991، تغيرت الخريطة الديموغرافية للاتفيا.

تم عام 1949 ترحيل 43 ألفاً من سكان الريف والوطنيين إلى سيبيريا في عملية «بريبوي» القمعية الشاملة، وسُجن 120 ألفاً من سكان لاتفيا أو رُحلوا إلى معسكرات الاعتقال، وأرغمت لاتفيا على تبني أساليب الزراعة السوفيتية، وتم القضاء على البنية التحتية الاقتصادية التي جرى تطويرها في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وبدأ التدفق الهائل للعمال والإداريين والعسكريين وعائلاتهم من روسيا والجمهوريات السوفيتية الأخرى.

عام 1959 وصل 400 ألف شخص تقريباً من الجمهوريات السوفيتية، وانخفض عدد سكان لاتفيا إلى 62 في المئة من إجمالي عدد السكان، وبدأ برنامج واسع النطاق لفرض ثنائية اللغة، مما حدّ من استخدام اللغة اللاتفية لصالح اللغة الروسية، التي تم تدريسها جنباً إلى جنب مع الأدب الروسي والموسيقى الروسية وتاريخ الاتحاد السوفيتي.

من خلال الراوي الداخلي، منتقلاً من صوت الأم إلى صوت الابنة، تتشكل أحداث الرواية، حتى نصل إلى النهاية:

«كنا نرتب الطاولة عندما صرخ جدي من الغرفة الأخرى، حيث شغل التلفاز.

- لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً! تعالوا بسرعة، بسرعة!

هرعنا إليه مذعورات. ظهر في التلفاز آلاف الأشخاص وهم يتسلقون جدار برلين ويهدمونه قطعةً قطعة. وهناك على الشاشة، ساد فرح عارم، ونشوة، وصوت الصراخ والدموع المنهمرة.

كرر جدي مراراً وتكراراً كما لو أنه مذهول بالشاشة: «هذا مستحيل! مستحيل!».

لكن ذلك حدث أمام عيوننا مباشرة. عيون أربعتنا: أنا، وجدتي، وزوج جدتي، وجيسي. لم تغب سوى عينا أمي.

أمسكت جيسي رأسها، وقالت: سنكون أحراراً حقاً. لماذا لم تستمع إلى كلماتي؟».

لاتفيا دولة صغيرة، لا تتجاوز مساحتها 65 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانها مليون و900 ألف نسمة تقريباً، لكن رواية «حليب سوفيتي» وضعت هذه الدولة الصغيرة على خريطة الاهتمام الأدبي العالمي بعد أن تُرجِمت إلى اللغة الإنجليزية، وقامت كاتبتها عام 2017 بزيارة معرض لندن للكتاب، حيث عُرضت النسخة المترجمة فيه.

انتهت رواية «حليب سوفيتي» بمشهد سقوط جدار برلين الشهير، لكن الجوَّ مشبع هذه الأيام برائحة «حليب روسي» هذه المرة، يعيد إلى الذاكرة جدار برلين الذي يبدو أنه يعاد بناؤه من جديد، ما لم يكن لمؤلفي الرواية التي نعيش أحداثها رأي آخر.

*كاتب وإعلامي إمارتي

 

طباعة Email