الدور الصيني في المنطقة

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم يعد الحديث عن الانفتاح الصيني على دول منطقة الشرق الأوسط احتمالاً أو أنه استشراف لمستقبل تحركاتها الدولية، وإنما هو واقع بدأ يعيشه العالم. وهي تؤسس تلك العلاقة وتنميها بسرعة، وفق القواعد المتعارف عليها في العلاقات الدولية، وهي المصلحة التي تغلف المحتوى العام للعلاقات بين الدول.

بالمقارنة، هناك فرق واضح في تحركات الدبلوماسية الصينية والقوى التقليدية المؤثرة في سياسات منطقة الشرق الأوسط، وحتى في تفاعلها مع قضايا المنطقة، سواءً أكانت قضايا اقتصادية أم حتى سياسية، على الأقل من حيث مؤشر ثبات تلك السياسة أو تغيرها نحو تصعيدها للأفضل، فالصين اليوم توقع اتفاقيات اقتصادية طويلة المدى مع مختلف دول المنطقة وليس مع دول الخليج العربي فقط، التي بدأت تتحرك نحو الصين بشكل لافت، فنجدها مع باكستان ومع إيران، وكذلك العراق ومع إسرائيل أيضاً.

هناك اعتقاد أن المصالح الاقتصادية والاتفاقيات التجارية التي تركز عليها الصين حالياً هي «أرضية مؤقتة» لتأسيس قواسم مشتركة مع دول المنطقة من أجل تحقيق نوع من التناغم المصلحي بين الدول، فهي حسب الرؤية الصينية، البوابة الحقيقية للانفتاح على دول المنطقة، وقبل الانطلاق نحو التركيز والتأثير الإيجابي في القضايا الأخرى التي تواجهها دول المنطقة من أجل حلحلتها ومعالجتها بما يخدم الطرفين الصيني ودول المنطقة بشكل بيني.

بلا شك هناك تغير في نظرة دول الشرق الأوسط تجاه الصين، وإذا افترضنا أن هذا التغير لا يزال نسبياً ومحدداً في جوانب معينة، إلا أننا نستطيع أن نقول إن هذا التغير يتصاعد مع مرور الوقت، بل إن الصين نفسها تحاول أن تتغير بالقدر الذي يرغب فيه الآخرون بما يخدم المصلحة المشتركة، وليس بالأسلوب الذي تفرض نمطها الحياتي وفق تصوراتها وقناعاتها، من منطلق أن ثقافات الشعوب مختلفة.

قبل عقدين تقريباً، كان تركيز الناس في التحرك الاقتصادي الصيني وتفاعلاتها مع دول العالم منصباً حول استفهامات وأسئلة تدور بين تقدير، هل القوة العالمية الحقيقية هي اقتصادية أم سياسية أم أنها عسكرية، انطلاقاً من رؤية أيهما أولاً، الاقتصاد أم السياسة في العلاقات الدولية، وحول هل التركيز على دول الأطراف أو الهامش من مواقع الأحداث العالمية يعني أن ذلك الإمساك بخطوط اللعبة الدولية؟!

أما اليوم، مثل هذا التساؤل أظن أنه تراجع لصالح أن الفكر التنموي والاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارات في البنية التحتية هو ما تبحث عنه دول المنطقة وغيرها من دول العالم، لأنها السبب الأساسي لمعالجة كل القضايا والأزمات، وهذا يبدو هو ما تحدثه الصين مع الآخرين.

ما نريد قوله هنا، إن الصين اتخذت لنفسها خطاً ونهجاً مختلفين في بناء علاقتها مع دول العالم، وخاصة في الشرق الأوسط، المنطقة التي يبدو أنها تصنع القوى الكبرى في العالم، هكذا علمنا التاريخ، فكل الدول التي أصبحت قوى كبرى، مرت من هذه المنطقة، وكما يبدو، فإن الصين تتمتع اليوم بعلاقات جيدة مع أغلب دولها.

لقد بدأ المزاج السياسي العالمي، منذ تأكيدات الانسحاب الأمريكي المتكرر من المنطقة، يهيئ نفسه لإعادة النظر في مكانة الدول الكبرى التقليدية بالنسبة لدول الشرق الأوسط، وأن التركيز القادم لدول المنطقة قد يكون نحو الشرق، على الأقل من الناحية الاقتصادية والسياسية، وخلق توازن عالمي، بل إن المزاج السياسي الغربي نفسه بدأ يتتبع حركة الدول في الشرق الأوسط نحو الصين، في إشارة إلى القلق من مكانتها بين دول المنطقة.

بإمكان المتتبع لنمط سلوك القوى الدولية في منطقة الشرق الأوسط، وتحركاتها بالاتجاهين (الخروج والدخول)، أن يرسم لنفسه خريطة ليعرف كيف تسير الأمور.

 

* كاتب إماراتي

طباعة Email