الإصغاء للماضي يعثر الخطى

ت + ت - الحجم الطبيعي

العالم يمر بفوضى، هذا أكيد، ونحن جزء منه، يطالنا ما يطاله، وقد يألم كما نألم، ويفرح كما نفرح. والفوضى بصفتها حالة، قد تكون إشارة لولادة جديدة، من يعلم؟ ربما تحمل خيراً خاصاً للبعض أو عميماً للناس كافة، أو تكون نذيراً، الفاصل في المسألة حسن الظن بالآتي.

حتى في العصور السالفة اعتبرت الفوضى امتحاناً صعباً للرجال، إذ تضعهم في مواقف تكشف عما إذا كانوا يمتلكون الرؤية والإرادة للاستفادة من الحالة القائمة من عدمها، لتندرج أسماء بعضهم في قائمة الحكماء أو القادة الأفذاذ.

وللفوضى إشارات تسبقها، وأسباب تدفع إليها، لكن في الغالب هي حالة تأتي بين حالتين: حالة قديمة تلملم أطرافها استعداداً للرحيل لتصبح عما قريب ماضياً وتاريخاً، وحالة جديدة - حديثة تنهض وتستوي على أقدامها لتصبح حاضراً ينزاح إلى المستقبل. وبين الحالتين القديمة والحديثة، تنتهي أحلام وأمور وبرامج وشعارات ويغيب أشخاص، لتبدأ أمور أخرى ويلمع أشخاص وتوضع برامج وشعارات وتتولد أحلام كبيرة ومختلفة.

في الفوضى، التشاؤم ليس مطلوباً، بل تقتضي الحكمة في المسافات البينية الفاصلة بين حالتين أو فضاءين، إعمال العقل والتدقيق في الحسابات التي يكون فيها لبنك التجارب الحياتية المتراكمة دور كبير ومحوري. على أن الإفراط في السعادة ليس مفضلاً هو الآخر في مثل هذه المسافات الرجراجة، وحده التفاؤل، مع قليل من الإرادة والصبر، هو الذي يمثل العقار للإنسان ويجعله متوازناً في استدعاء حكمته وجراءته. 

قلة هم الذين يلتقطون الإشارات ويقرؤون الإيماءات التي تأتي بها زوبعة الفوضى، فبرغم كثافة النقع المثار فوق الجميع، حائلاً بين العين والتفاصيل، ثمة من يغدو نسراً فيرى ما لم يستطع رؤيته غيره في حالة الصفاء، يصبح رائياً قادراً على وضع خطته وتحريك بيدقه بثقة وحسم لكسب ميادين إضافية، طالباً العمل في ما بعد الفوضى العارمة، في تلك المسافة التي تعقبها مباشرة، تاركاً للآخرين التبعثر والارتباك قيوداً تصادر فيهم الهمم.

الفوضى هي علامة إخبار على انقضاء مرحلة بكل ما فيها بعدما تم تجريبها، وبدء مرحلة أخرى حديثة، صنعت من ركام الأولى سلالم للصعود، تحتوي كل جديد ليجرب أول مرة. 

ليس كل فوضى سلبية، بل ثمة فوضى إيجابية تمثل علامة على ولادة أمر كبير في الطريق إليك، يحمل الكثير مما تخيلت ومما لم تتخيله، فحسن الظن بالآتي الجديد يهدئ الروح ويمنح القلب شعوراً يشبه الإيمان بالجنة.

إن لم تستفد من حالة الفوضى فثمة شك في مؤهلاتك النفسية للعيش في ما بعدها، حتى لو دفعت من غير اختيار دفعاً إلى الصمود في الفترة الجديدة التي تعقب الفوضى، فسوف تظل هشاً ومرتعشاً لا تقوى على التماسك والبناء، والسبب أنك تحيا في الماضي وتصر عليه، رغم علمك أنه ذهب ولن يعود، وأن الجلباب الذي ترتديه عليك نزعه والتخلص منه، وإلا فإنه سوف يحرمك المشاركة في الزمن الجديد بفضاءاته الواسعة وأهله المتوثبين نحو الشمس. 

لا تعبث بقبور الماضي بغية إحيائه، كله أو جزءاً منه، وتذكر أن لا محيي لرميم تلك العظام سوى الله «قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ».

طباعة Email