نظام تتفاعل فيه العناصر وتتكامل فيه الأدوار

ت + ت - الحجم الطبيعي

إن مقاربة الفكر الشمولي والتكاملي في التعليم، للوصول إلى تعليم مميَّز رِياديّ، يتطلَّب بدوره مقارَبَة أيّ منظومة تعليميّة «كنظام بيئيّ – Ecosystem». فكما هو الحال مع أيّ نظام بيئيّ، تتطلَّب الإحاطة بمنظومة التّعليم فهماً عميقاً، ليس فقط لأدوار العناصر الفاعلة المكوِّنة لها، بل لتشابك العلاقات بين جميع هذه العناصر، وترابطها على عدَّة مستويات واتِّجاهات.

فلا يمكن للجهود التّطويريّة في التّعليم، أن تنجح في تحقيق غاياتها بالعمل على بعض مكوِّنات المنظومة دون غيرها، أو دون الإلمام بالتّأثير متعدِّد الجوانب، الَّذي سينجم مع كافَّة عناصر منظومة التّعليم مِن جرّاء ذلك.

فلا يمكن الحديث عن تطوير للمناهج، مهما كان حداثيّاً وممنهجاً لخدمة المجتمع وتطلُّعاته، دون تبنّي المعلّم لمسوّغات هذا التّطوير، ومن ثَمّ تطوير أساليبه في التّدريس، لتواكب التّغيير، ودون دَعْم مؤسَّسي للمعلّم، سواء أكان بتوفير التّدريب المناسب، أم المصادر التّعليميّة الضّروريّة.

كما أنّه لا يمكن تعزيز أنماط التّقييم المختلفة، والاستفادة مِن اختباراتنا الوطنيّة المعياريّة -على سبيل المثال- دون أن يتوافق الوعي الجمعيّ للطّلبة والمعلّمين والقيادات المدرسيّة وأولياء الأمور مع ضرورتها، لضمان جودة التّعليم والتَّعلُّم، وأنّ الهدف مِن التّقييم بالدّرجة الأولى، هو إظهار التّقدُّم المعرفيّ والمهاريّ، وكشف الفجوات في التَّعلُّم، بهدف جَسْرِها، وليس حصد الدّرجات.

وعلى الرّغم مِن الطّبيعة الخاصّة لمنظومة التّعليم العالي، فإنّ منطق التّبصُّر في عناصرها الفاعلة كافَّة، وفي العلاقات المتشابكة بين هذه العناصر، أمر ضروريّ لجهود الارتقاء بهذه المنظومة.

فعلى سبيل المثال، يتطلَّب تحقيق هدفنا المهمّ، القاضي باستمرار تقدُّم مؤسَّساتنا الجامعيّة الوطنيّة في التّصنيفات الدّوليّة، هو الحصول على الاعتماد الأكاديميّ محليّاً ودوليّاً، للبرامج الجامعيّة المختلفة في جامعاتنا.

إلّا أنّ ضمان الرّصانة الأكاديميّة للبرامج الجامعيّة وحده، دون النّهوض بالبحث العلميّ والابتكار، لن يكون كافياً للتّقدُّم على الصّعيد الدّولي، أو لتتمكَّن جامعاتنا الوطنيّة مِن القيام بدورها الكامل لتحقيق تطلعاتنا الوطنيّة.

وإنْ كان ما اتَّسع له المقام هنا مِن الأمثلة السابقة، لا يعكس بدقّة، التّعقيدات البالغة للعلاقات بين مكوِّنات أيّ منظومة تعليميّة، فإنّه بلا شكّ يبرز ضرورة توفُّر نهج شموليّ متعدِّد الاتّجاهات، لمقارَبَة الجهود التّطويريّة لمنظومة التّعليم.

ومن الأهمّيّة بمكان، أن نؤكِّد على أنّ منظومة التّعليم الشّامل في دولتنا، لا ينضوي تحت مظلتها، التّعليم الحكوميّ المدرسيّ والجامعيّ فقط، بل يشكِّل قطاع التّعليم الخاصّ، بِشِقَّيْه العامّ والعالي، مكوِّناً أساسيّاً، وجزءاً أصيلاً لا يتجزَّأ مِن هذه المنظومة. إنّ إحدى مميِّزات قطاع التّعليم المهمّة في دولتنا، هي التّنوُّع الكبير والمتاح، سواء أكان في التّعليم العامّ أم التّعليم الجامعيّ.

فتعدُّد المناهج الدّراسيّة الدّوليّة في قطاع التّعليم المدرسيّ الخاصّ، والمؤسَّسات الجامعيّة الخاصّة، يعكس ثقافة الانفتاح، ودعم الاستثمارات في التّعليم في دولتنا، ويخدم مجتمعنا المتنوِّع بطبيعته، ويوسِّع دائرة الخَيارات للدّارسين وأولياء أمورهم.

ومع احترام ميزة التّنوُّع الَّتي يتيحها القطاع التّعليميّ الخاصّ، وضرورة الاستفادة القصوى منها، يتحتَّم الوعي بأنّ المخرجات التّعليمية لهذا القطاع، يُفترَض أنْ تصُبَّ في خدمة الأهداف والتّطلُّعات الوطنيّة، كما هو الحال مع قطاع التّعليم الحكوميّ. ولهذا، فإنّ استمرار العمل المشترك بين القطاعين لترسيخ فهم عميق، وتطبيق دقيق لرؤية ورسالة وأهداف التّعليم، ضرورة حتميّة لضمان النّجاح.

كما أنّنا نرى أنّ السّياسات العامّة المنظِّمة لقطاع التّعليم، وتلك المتعلِّقة بمواءمة مخرَجات التّعليم على اختلاف المناهج الدّراسيّة مع معاييرنا الوطنيّة، تمثِّل مرتَكَزات أساسيّة للتَّأكُّد مِن الانسجام والتّناغم بين مكوِّنات منظومة التّعليم العامّ الشّامل، بحيث تقوم الرّقابة والتّقييم المؤسَّسي والاختبارات الوطنيّة، بوصفها أدوات فعّالة في منظومة ضمان الجودة، بأدوارها المرجوَّة، للوصول للتّميّز في مخرجات التّعليم العامّ بِشِقَّيْه الحكوميّ والخاصّ.

وبما يتعلّق بمنظومة التّعليم العالي الشّاملة، فإنّنا ننظر للتّطوّرات الَّتي شهدتها استراتيجيّة التّعليم العالي، ومنظومتي الاعتماد الأكاديميّ والتّصنيف المؤسّسي، إضافة لإطار الرّقابة على المؤسّسات الجامعيّة، كَمُمَكِّنات مهمّة، تتضافر أهدافها لتحقيق الجودة المميّزة، الَّتي نطمح لها في هذا القطاع المهمّ.

 

طباعة Email