الرجل الذي عاش 2700 عام

ت + ت - الحجم الطبيعي

«لست المخلّص الذي انتظره أحفاد إسرائيل، ولم أكن يوماً المسيح الذي انتظره أتباع يسوع، ولا أنا المهدي الذي انتظره المسلمون، بل كنت دوماً وفقط، حسون.

ولدتني أمي في قرن الشمس بأرض اليمن منذ ألفي سنة وسبعمائة عام. أنا حسون ابن صفية بنت حزقيال بن ميمون القداح، وأنا حسون بن عبدالله بن إسماعيل بن شمس القرشي».

هكذا تحدث حسون عن نفسه، فهل يمكن أن يعيش إنسان 2700 عام في عصرنا هذا؟ نعم، ولكن في الروايات فقط، وحسون، بطل رواية «الدم والحليب» للكاتب المصري محمد الجيزاوي، عاش 2700 عام ودوّن ما شاهده.

تطرح الرواية، وإن لم يكن بشكل مباشر، الأسئلة الوجودية التي طالما طرحها الفلاسفة على مدى تاريخ البشرية. وهي الأسئلة ذاتها التي حاولت الأديان الإجابة عنها، والتي تبدأ بالسؤال عن الحياة والهدف منها، لتصل إلى السؤال عما يحدث بعد انتهاء الحياة، حيث يرحل الذين انتهت أعمارهم، ولا يعودون ليخبروا من بقي على قيد الحياة بعدهم عما رأوا.

حسون، الذي عاش 2700 عام في الرواية، لم يحاول الإجابة عن هذه الأسئلة، ولكنه رصد طوال القرون التي عاشها كل ما حدث على الأرض، وعايش الصراعات التي نشبت بين البشر، وشاهد الخلافات التي حدثت بين العلماء ورجال الدين. وحينما شعر بأن النهاية قربت كتب: «إذا أمهلني الجوع ولم يقتلني، وأمهلني الوجود ولم يندثر، فسأدوّن الحكاية كلها. سأكتب كل شيء رأيته منذ ولدتني أمي في قرن الشمس بأرض اليمن منذ ألفي سنة وسبعمائة عام».

دوّن حسون كل شيء، منذ أن رأى أبوه عبدالله أمه صفية، وحتى اللحظة الأخيرة التي جلس يكتب فيها، فقال في البداية عن نفسه؛ إن جده لأمه هو حزقيال صانع الخناجر. لم يكن لجده من أبناء سوى أمه صفية، ووحدها من كانت تعينه على عمله منذ أن بلغت الثامنة عشرة من عمرها. أما جده لأبيه فهو إسماعيل القرشي، أحد فقهاء المالكية في صنعاء، ورأس الشيوخ المعلمين لقراءة القرآن برواية «الدوري». حفظ أبوه القرآن على يد جده، ثم أطلقه الجد للتجارة، واختار أبوه أن يتاجر في الخناجر، فاستقر خنجر أمه في قلبه حباً.

خلال رحلة حسون الممتدة 27 قرناً، لم تكن تبدو عليه علامات التقدم في السن، فقد استقرت ملامحه عند سن الأربعين. حاول العلماء أن يجدوا لهذا تفسيراً، ولكنهم فشلوا، وحاول أصحاب الأديان استغلاله ففرّ منهم. وحينما احتدم الصراع بين رجال العلم ورجال الدين، كانت الغلبة لرجال الدين، وخرج حسون من المعركة ليواصل رحلته في الحياة، حيث أُطلِق سراحه بعد قرون من الاحتجاز، وبعد الكثير من التجارب التي أُجريت عليه ولم تصل إلى معرفة سر بقائه كل هذه القرون، ولا إلى استنساخ حسون آخر منه.

على مدى ترحاله بين الشرق والغرب ذهاباً وإياباً، لم يحاول حسون أن يقدم إجابة عن الأسئلة التي يمكن أن تثيرها حياة بهذا الامتداد، وإن كانت الأحداث التي عاشها استمدت تفاصيلها مما جاءت به الكتب والديانات السماوية الثلاث، ولكن أياً من هذه الأحداث لم يُنسَب إلى دين بعينه، فالدارسون يعرفون أن الأديان تشترك في العناوين، ولكنها تختلف في التفاصيل. ولهذا ظلت الأسئلة الوجودية الثلاثة الأكثر إلحاحاً (من أنا؟ من أين أتيت؟ إلى أين سأذهب؟) مطروحة طوال الرواية من دون جواب.

«ستة أيام، سردت فيها حكايتي بذاكرة لم تُغفِل أدق حادثة ولا أصغر نكبة، كأن الله أمدني بها لأجْل هذا الكتاب، فلم أنسَ آلام السنوات الطوال، لماذا وضع الله الحكاية كلها نصب عيني إن لم تكن لأكتبها؟! ما ذكرني بها إلا لأجْل هذا الكتاب، لأشهد على ما كان، أشهد لنفسي، حتى لو لم تصل شهادتي إلى إنسان.

إذا أمهلني الله إلى الغد ولم يطوِ عالمه، فسأضع كتابي بجوار ما ورثته عن أبويّ، وأحمل صندوقي بما فيه، وألقي به للبحر، لعل كتابي ينجو، كما نجا موسى من قبل. في ستة أيام كتبته، وغداً أحمله وأذهب به إلى شاطئ القلزم، وألقيه.

لم يستطع أبونا الأكبر حسون أن يحقق أمنيته؛ إذ إنّ اليوم السابع لم يأتِ على الأرض».

هكذا كانت نهاية رحلة حسون الطويلة، ولكن رحلتنا نحن مع الأسئلة لم تنتهِ. أبقت لنا الرواية الأبواب مفتوحة، وتركت لنا حرية الدخول والخروج من الباب الذي نريد، أو البقاء في متاهة الأسئلة الأبدية.

طباعة Email