خط ديورند.. الفتيل القابل للاشتعال

ت + ت - الحجم الطبيعي

يفصل باكستان عن أفغانستان خط حدودي بطول 2611 كلم، يسمى خط ديورند نسبة إلى «هنري مارتيمور ديورند» سكرتير الخارجية بحكومة الهند البريطانية الذي شارك في ترسيمه بالاتفاق مع الأمير الأفغاني عبد الرحمن خان سنة 1893، فتسبب الخط في التقسيم السياسي للقبائل البشتونية الموجودة على جانبي الحدود. وعلى الرغم من أن هذا الخط التاريخي معترف به دولياً، إلا أن الحكومات الأفغانية الجمهورية المتعاقبة، لم تعترف بشرعيته.

أما آخر المستجدات حوله فهو قرار اتخذه الجيش الباكستاني قبل أشهر بتسييج الخط بأسلاك شائكة مزدوجة بارتفاع أربعة أمتار ومزودة بكاميرات مراقبة دقيقة بتكلفة 600 مليون دولار، وذلك استباقاً لأي فوضى أمنية في جارتها قد تؤدي إلى تدفق اللاجئين الأفغان أو تسلل عناصر إرهابية مسلحة إلى أراضيها.

أما لما نتحدث عن خط ديورند اليوم، فلأن القرار الباكستاني المذكور قوبل بالرفض شعبياً ورسمياً في أفغانستان، وهو أمر نجد تجلياته في ما حدث مؤخراً من توترات على جانبيه بين الجيش الباكستاني وقوات طالبان. ففي أواخر ديسمبر المنصرم أعلن المتحدث باسم وزارة دفاع طالبان أن قواته منعت الجيش الباكستاني من مواصلة التسييج «غير القانوني» على طول الحدود مع إقليم ننغرهار، وبالتزامن تمّ نشر فيديو لجنود طالبانيين وهم يستولون على معدات التسييج الباكستانية.

وبالتزامن أيضاً كان هناك إطلاق لقذائف مورتر عبر الحدود من الجانب الباكستاني باتجاه مقاطعة كونار الشرقية. وطبقاً لوسائل الإعلام الطالبانية، فإن مسؤولين من طالبان التقيا وجهاً لوجه مع قادة الجيش الباكستاني لمناقشة الوضع الحدودي المتوتر وتهدئة الموقف بطريقة أخوية، لكن في الوقت نفسه أطلق مسؤولون باكستانيون، كوزير الخارجية شاه محمود قريشي، تصريحات تؤكد عزمهم على مواصلة التسييج، وتشدد على أن بلادهم ليست في وارد التراجع لأن القضية متعلقة بالأمن الوطني.

وفي ما بدا أنه رد على تصريحات الوزير قريشي قال قائد القوات الحدودية في المنطقة الشرقية لأفغانستان «مولوي ثناء الله سنغين»: إن كابول «لن تسمح بالسياج في أي وقت وبأي شكل.. كل ما فعلوه من قبل فعلوه، لكننا لن نسمح به بعد الآن». ووسط هذه المواقف والمواقف المضادة راحت قوات طالبان تبني المزيد من نقاط التفتيش والمراقبة على طول الحدود لمنع الجيش الباكستاني من مواصلة التسييج.

والجدير بالذكر أن حركة طالبان ظلت لمدة طويلة غير مكترثة بمسألة شرعية خط ديورند من عدمها، بل لم تعلق قط على فكرة تسييجه، ربما بسبب حاجتها إلى دعم الباكستانيين. لكن يبدو أنها غيرت الآن رأيها بعد نجاحها في الوصول للسلطة، فصار موقفها مماثلاً لمواقف الحكومات الأفغانية السابقة، خصوصاً في ظل إحجام باكستان حتى الآن عن الاعتراف الرسمي بنظامها، وهو ما يجعلها قلقة من احتمال تكرار ما حدث زمن الزعيم الباكستاني العسكري الأسبق الجنرال برويز مشرف، حينما سعى الأخير إلى توثيق علاقاته مع واشنطن على حساب طالبان.

ويرى المراقبون في موقف طالبان الجديد، أنه محاولة منها لتحقيق أمنية عزيزة تتمثل في جعل الحدود الباكستانية ــ الأفغانية مفتوحة بنقاط عبورها الكثيرة، وهو ما لن تقبله إسلام آباد التي تتوجس من حلم الأفغان القديم المتجدد في إقامة دولة بشتونستان. أما امتناع إسلام آباد عن الاعتراف بالسلطة الطالبانية في كابول، فلا تفسير له سوى أنه محاولة منها لنفي أي علاقة لها بتأسيس حركة طالبان، أو مساعدتها للوصول إلى السلطة مجدداً.

والحقيقة أن طالبان بنت آمالاً عريضة على الاجتماع الوزاري الأخير لمؤتمر منظمة التعاون الإسلامي، الذي عقد مؤخراً في اسلام آباد بحضور وزير خارجيتها أمير خان متقي، لجهة إحراز تقدم ما فيما خص الاعتراف بها.

وهو الاعتراف الذي سعت وتسعى إليه دون نتيجة تذكر سوى موافقة بعض الأطراف الدولية الفاعلة على عقد اجتماعات مع رموزها للبحث في تقديم المساعدات الإنسانية ومعونات إعادة الإعمار، على غرار ما فعلته الصين مثلاً التي سارعت إلى ترتيب اجتماع بين المدير العام لإدارة آسيا بوزارة خارجيتها، ومدير عام الدائرة السياسية الثالثة بوزارة خارجية طالبان، بهدف الاتفاق على تعزيز التبادل والتعاون والتنسيق بين الجهات المختصة في البلدين حول الإعمار والدعم الاقتصادي والحاجات الإنسانية وتدريب الأفراد وموظفي الدولة. وفي المقابل قدم الطالبانيون لبكين ضمانات أمنية للمؤسسات الصينية العاملة في أفغانستان، مشفوعة بطلب المزيد من الاستثمارات الصينية.

طباعة Email