منظومة التعليم في الإمارات.. شمولية النهج وتكاملية التطبيق

ت + ت - الحجم الطبيعي

في مطلع حقبة جديدة -الخمسين المقبلة- مِن تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة الَّتي تنير العزيمة والحكمة خُطاها الواثقة نحو المستقبل، نوجه البوصلة نحو عدد مِن المبادئ باعتبارها محددات وموجهات مهمة في قطاع التّعليم في الدّولة، لنسلط الضوء عليها، لاسيما وأن التوجه الحديث للتعليم في بلدنا الحبيب أصبح قائماً على ثنائية الجودة والتعلم مدى الحياة، وذلك نابع من ضرورات تمليها علينا مرحلة جديدة في مسيرة النهضة، تتطلب الوعي بها وباستحقاقاتها وآثارها وضرورة تساندنا جميعاً للمُضِيّ قُدُماً، واستشعار الأمانة الملقاة على عاتقنا؛ لتلبية طموحاتنا الوطنيّة في المستقبل القريب والبعيد، وباعتزاز عميق بالبناء الإنسانيّ والحضاريّ الَّذي حقَّقته دولتنا في الخمسين عاماً الأولى مِن عمرها الزاخر بالإنجازات.

إنّ نهج القيادة في دولتنا معروف للقاصي والدّاني، بدأه الباني المؤسِّس الشّيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وإخوته شيوخ إماراتنا السّبع، وتمسّك به الخلف مِن قادتنا.

وإن كان إحصاء إنجازاتنا الوطنيّة يُعَدّ أمراً مستحيلاً؛ فتقديرها والفخر بها لا ينحصر على أهل الدّار، بل يبهر المنصِف حيثما كان. إنّ هذا البيت المتوحِّد الرّاسخ المزدهر ما كان ليعلو ويعلو لولا الإخلاص والرّؤية النّافذة، ونهج البناء الشّمولي الَّذي ورثه القادة الخَلَف عن السَّلف.

فمنذ قيام الاتّحاد، انطلق حَراك تطوُّر حضاريّ لعل أكثر ملامح عبقريّته وضوحاً هو شموليّته، حيث الاهتمام والدّعم لكلّ القطاعات، وعلى كافّة المستويات؛ ولهذا كانت النّهضة شاملة، وكان التّميُّز تفصيليّاً وإجماليّاً.

وبهذا يكون استلهام الفكر الشّموليّ في التّأسيس والتّنفيذ، على حَدٍّ سَواء، لأيّ جهود تنمويّة تطويريّة في دولتنا هو في جوهره بناء على الدّروس المستَفادة مِن تجربتنا الوطنيّة الفَذَّة. أمّا المحور فكيفما كان توجُّهنا سيبقى متَّجهاً نحو الإنسان على هذه الأرض شاملة العطاء.

ولأنَّ الإنسان هو الهدف والوسيلة في آنٍ واحد، جاء الفهم العميق والدّعم الاستثنائيّ للتّعليم منذ قيام دولتنا، والمطلع على كافّة الاستراتيجيّات والمبادرات الوطنيّة الَّتي توجِّه العمل الحكوميّ الحاليّ والمستقبليّ في الدّولة يرى أنّها في جوهرها تعتدُّ برأس المال البشريّ، وتعتمد عليه.

كما أنّ المُطَّلِع على الجهود الحثيثة لترسيخ قِيَم ديننا الحنيف ولإعلاء شأن لغتنا العربيّة، وتعزيز هويّتنا الوطنيّة، وصون إرثنا الحضاريّ، ونشر مبادئ الإنسانيّة، ودعم الثّقافة يدرك أنّ مفهوم التّنمية البشريّة في دولتنا يولي البناء الوطنيّ والفكريّ والقِيَميّ للإنسان أهمّيّة كبرى.

إنّ ما سبق يؤطِّر لدور قطاع التّعليم، ويضعه أمام مسؤوليَّته الوطنيّة؛ لإعداد موارد بشريّة فخورة بانتمائها وقِيَمها وثقافتها، ومؤهَّلة لتنفيذ الرُّؤى التّنمويّة الطّموحة الهادفة في مُجْمَلها للدَّفع بمزيد مِن التّميُّز والتّنافسيّة لدولتنا على الصُّعُد كافّة؛ وذلك تعزيزاً لمستويات جودة الحياة للمواطنين والمقيمين على أرضها.

إلّا أنّه مِن الضّروريّ في هذا السّياق أنْ نؤكِّد على التّحدي الَّذي يواجهه العالَم أمام وضع تعريف دقيق للكوادر المؤهَّلة، حيث إنّ هناك توافُقاً عالمياً على استحالة التّنبّؤ الدّقيق بوظائف المستقبل في ضوء العديد مِن العوامل، لعلّ أهمّها تَبِعات الثّورة الصّناعيّة الرّابعة.

إنّ هذا التّحدّي يضع منظومة التّعليم في دولتنا أمام استحقاق كبير، هو إعداد ثروة بشريّة مؤهّلة فكرياً وعلميّاً لمواجهة التّحديّات بشتّى أنواعها، واقتناص الفُرَص على اتّساعها، وبمهارات متميِّزة قادرة على التّعامل مع قطاعات العمل المستقبليّة، بغضِّ النّظر عن ديناميكيّاتها ومتطلَّباتها حينذاك.

وإن كنّا فيما سبق قد ذكّرنا بالدور المركزي لقطاع التعليم في تحقيق تطلعاتنا وآمالنا الوطنية، فإننا فيما يلي من الأجزاء سنستعرض بعض المسوغات التي تلزمنا بتبني الفكر الشمولي لتطوير نظامنا التعليمي ليس فقط لضمان ألا يغفل التطوير أياً من مكونات المنظومة التعليمية المعروفة كالمناهج والتدريس وغيرها، بل لكي يتسع مجال الرؤية التطويرية بحيث يشمل جميع العناصر المؤثرة في مرحلة التخطيط ومرحلة التنفيذ على حدٍ سواء.

 

طباعة Email