عقد الثمانينيات.. قلادة القرن

ت + ت - الحجم الطبيعي

لبعض العقود الزمنية تميّزاتها المدهشة، تجعل منها قلائد على صدر القرن الذي تشكل أحد أعمدته وأركانه الأكثر قوةً، بل مخزوناته التاريخية تكون أكثر ثراءً لجهة الأحداث والوقائع والابتكارات العلمية والإبداعات الفكرية، وتلك التجاوزات لحواجز تطال في طبيعتها كل مناحي الحياة البشرية، النفسية منها والاجتماعية والقيمية والاقتصادية والثقافية، وطبعاً السياسي بالضرورة.

فنظرة إلى دقائق عقد الثمانينيات من القرن الماضي على سبيل المثال، كفيلة بجعلنا نشعر بمدى صدقية تسميته «قلادة القرن العشرين»؛ فهو يعدّ متميزاً إماراتياً بين سائر العقود التي أعقبت، وله أهميته البالغة على المستويين الخليجي والعربي، مستوى العالم كله تقريباً، الذي شهد فيه انهياران، الاتحاد السوفييتي وجدار برلين، وما يرمزان له في الفكر والسياسة، واجتياح الديمقراطيات الغربية دولاً في المنظومة الاشتراكية كبولندا وبلغاريا ويوغسلافيا التي تقسمت لتصبح أكثر من دولة، وانتهاء الحرب البادرة بين القوتين العظميين، وتدوير زوايا التحالفات السياسية والاقتصادية. كما شهدت الثمانينيات دخول شبكة المعلومات العالمية «الإنترنت» العالم العربي بدءاً من الإمارات ثم مصر لتعم من بعد سائر البلدان العربية، والذي أعقبه وصول البرمجيات الجاهزة في أقراص مدمجة «سوفت ويير» التي ألغت بدورها البرمجة اليدوية المضنية ومشروعات التدرّب عليها في المؤسسات والشركات كلها، وبحماس شديد بدأ الإقبال على أجهزة الحاسوب في القطاعات المجتمعية كافة في العالم باستثناء كم قليل تأخرت مواكبته الفورية. 

وربما يقتضي السياق القول إن أول مدوّن على المستوى العربي كان إماراتياً من أبوظبي، تلاه الثاني وكان مصرياً في نحو عام 1993. كما شهد قطاع التعليم في عقد الثمانينيات المتفرّد بأحداثه، جرعة علمية مكثفة أخذت مكانها في المناهج الدراسية بدءاً من المرحلة الثانوية فالجامعية.

في هذا العقد إماراتياً، دخلت المجال الإعلامي صحف يومية جديدة، كجريدة البيان بدبي 1980، وتأسست محلياً عدة جمعيات مهنية وأهلية، لعل أول ما أُشهر منها كان جمعية الحقوقيين عام 1980، وفي العام التالي أُشهرت جمعية الاجتماعيين، وكانت الجمعية الثالثة اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في مايو عام 1984، وكان عدد أعضائه وقتذاك لا يتعدّى 30 عضواً. وفي دبي أشهرت ندوة الثقافة والعلوم عام 1987، وبالتزامن كانت قد اكتملت عملية تحديث المجمّع الثقافي في العاصمة أبوظبي، الذي تأسس عام 1981، لينطلق ببرامجه الثقافية والفنية، وفي إطار الثقافة النسوية تأسس بالشارقة نادي سيدات الشارقة 1982، تلته رابطة الأديبات عام 1989 التي سرعان ما أصبحت رافداً حيوياً للمشهد الثقافي المحلي.

على صعيد الظواهر السلبية الاجتماعية والثقافية، لم يلاحظ في عدّاد الثمانينيات أية قراءة سلبية لأمر غير اعتيادي يستوجب الوقوف عنده، ولكن في المقلب الآخر، على صعيد الظواهر الإيجابية، كان هنالك الكثير المتميز الذي يصعب عدّه بدءاً من الثقافي الذي بلغ ذروته كماً ونوعاً وهو يدخل عصر «مأسسة الثقافة»، بعدما كان نشاطاً ثقافياً فردياً يعمل بجهود ذاتية محدودة مهددة دائماً بالنضوب والجفاف، وأما جمعيات المجتمع المدني فبدأت صعودها الطبيعي والتاريخي عبر حضورها المتوهج بأنشطتها النوعية يؤازرها التفاف جماهيري، شأنها في ذلك شأن الحركة الفنية المسرحية التي بدأت هي الأخرى حراكها الذي عبره، وبوقت قياسي، أصبحت مركز استقطاب وجذب لهواة «الفرجة» في دول الجوار الخليجي والعربي العام. مقطع القول: عقد الثمانينيات، لجهة إنسانيته وأحداثه المدهشة ومنعطفاته الحادة المفاجئة، شكل ثراءً أهله ليكون قلادة القرن الماضي.

طباعة Email