00
إكسبو 2020 دبي اليوم

ميكروسكوب يرى الزمن..!

ت + ت - الحجم الطبيعي

منذ سبع سنوات أو أكثر قليلاً، قابلت العالم المصري الراحل الدكتور أحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أجلس معه فيها، ومن بعدها التقينا مرات عديدة، في الفيلا التي خصصتها له الدولة بحي «جاردن سيتي»، وفي مؤسسة أخبار اليوم التي كنت أترأس مجلس إدارتها، وكذلك في حوارات تليفونية، وفي لقاء تليفزيوني أصر هو على أن أكون أحد طرفيه.

كان الدكتور أحمد زويل مغرماً بأمرين، هما صوت أم كلثوم، وفكرة الزمن.. ولعل ولعه بسيدة الغناء العربي نابع أيضاً من أن صوتها عابر للأزمان..!

في عام 1999، اخترع زويل على رأس فريق عمل جامعة «كالتيك» الأمريكية ميكروسكوب يصور أشعة الليزر في زمن مقداره «فيمتو ثانية» أي واحد على مليون من المليار في الثانية الواحدة، وهو أسرع زمن عرفه البشر حتى ذلك الوقت، وعن هذا الاكتشاف فاز بجائزة نوبل، كأول عربي يحصل عليها في أحد مجالات العلوم.

في حواراتي معه، كان الدكتور زويل يتوق إلى ميكروسكوب، ينقل لنا وقائع الانفجار الكوني الهائل في بداية الخليقة (بيج بانج) ليكشف لنا أشياء قد تغير تصوراتنا عن نشوء الأجرام السماوية.

كان يشرح لي أن الضوء يستغرق للوصول من الشمس إلى كوكب الأرض رحلة مدتها 8 دقائق، يقطعها بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، وكان يوضح أننا نرى في السماء نجوماً خارج المجموعة الشمسية، في مجرتنا «درب التبانة»، بينما هي قد اندثرت منذ سنوات قد تصل إلى 50 ألف عام، فهي تبعد عنا آلاف السنوات الضوئية.

أذكر أنني اتصلت بالدكتور زويل وكان في لوس أنجليس، بعدما علمت أن مجلة «نيتشر» كبرى المجلات العلمية في العالم، نشرت له بحثاً عن ابتكار جديد، وتوقعت المجلة أن يقوده إلى الفوز بجائزة نوبل للمرة الثانية.

كان زويل مبتهجاً، لكنه كان متحفظاً في الحديث عن هذا الابتكار كعادة العلماء الحقيقيين، لكنه مع ذلك قال لي باقتضاب: إنه ميكروسكوب رباعي الأبعاد.

وقلت له أعرف أن هناك أبعاداً ثلاثة هي الطول، والعرض، والعمق، ما هو البعد الرابع؟

قال: إنه الزمن. هذا الميكروسكوب يرى الزمن.. يرصد حركة الإلكترونات في أشباه الموصلات، ومادتها الرئيسية هي «السيليكون» التي تنتج من الرمال، وأشباه الموصلات تستخدم في أجهزة المحمول الذكية والحواسب والسيارات، ويمكن بفضل هذا الاكتشاف أن نتحكم في سرعة الصوت، ونلحظ التغير في هذه المواد في أقصر وقت، مما يقودنا إلى ثورة هائلة في أجهزة السوبر كومبيوتر وفي قدرات التخزين الرقمية الهائلة.

وقال لي إن فكرة الميكروسكوب باختصار أنه يرى أين هي المادة، والزمن الذي تستغرقه في الحركة من مكان إلى مكان.

وعلمت أن هذا العالم المصري اشترط، أن تزود مدينة «زويل» للأبحاث العلمية غرب القاهرة بجهاز تليسكوب رباعي الأبعاد، مماثل تماماً لما اخترعه بجامعة «كالتيك»، لتبدأ مدينة العلوم المصرية من حيث انتهت الأبحاث في تلك الجامعة الأمريكية المتقدمة.

في أغسطس عام 2016، رحل عنا الدكتور زويل، دون أن تتاح له فرصة الفوز بجائزة نوبل مجدداً، وهو على قيد الحياة.

لم يكن الدكتور زويل، على ما يبدو حالة استثنائية في سلسلة العلماء المصريين العرب.

في الشهر الماضي.. زفت مجلة «نيتشر» العلمية نبأ ساراً آخر، عندما نشرت بحثاً للعالم المصري الدكتور محمد ثروت أستاذ الفيزياء والضوء بجامعة «أريزونا»، يبني على ما توصل إليه الدكتور زويل في اكتشافه زمن «الفيمتوثانية»، ويتوصل عبر الميكروسكوب رباعي الأبعاد إلى «الأوتوثانية»، وهي سرعة تفوق الزمن الذي اكتشفه زويل بألف مرة.

على مدار خمس سنوات مضت، عكف الدكتور ثروت مع فريقه العلمي على استخلاص تطبيقات علمية لهذا الاكتشاف الذي يصور الأجسام متناهية الصغر والأسرع في حركتها، وأهم تلك التطبيقات التي توصل إليها التحكم في خواص الإلكترونات داخل الزجاج، ليتحول إلى مادة موصلة للكهرباء، مما يحدث ثورة تزيد من سرعة الحواسب الآلية بمقدار 100 مليون مرة.

يبدو أننا على مشارف جائزة نوبل جديدة لعالم مصري عربي.

طباعة Email