الرحيل إلى المدن القديمة

ت + ت - الحجم الطبيعي

«شمل الصمت كل أحياء المدينة، شوارعها الرئيسية، وكثير من شوارعها الجانبية. لكن النور من أعمدة الشوارع قوي، والنور من خلف النوافذ واضح، والناس في البيوت أو يلحقون بها مسرعين تحت البلكونات، والقليلون الذين فتحوا محلاتهم بدأوا يغلقونها.

الكل ينتظر الساعة الثانية عشرة، ليلقي بالزجاجات الفارغة، والقليل من الأشياء التي يريدون التخلص منها مودعين العام، راجين عاماً أفضل».

هكذا يصف الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد ليلة رأس السنة في الإسكندرية في روايته «الإسكندرية في غيمة» التي تمثل الجزء الأخير من ثلاثية الإسكندرية، التي تختلف عما هو معروف عن الثلاثيات، فليس هنا أبطال يواصلون رحلتهم إلا قليلا، لكن هنا مدينة عظيمة في ثلاث نقط تحول كبرى في تاريخها؛ الرواية الأولى «لا أحد ينام في الإسكندرية» عن المدينة العالمية أثناء الحرب العالمية الثانية، وكيف هي مدينة التسامح بين الأديان والأجناس، ومعاناة المصريين تحت الحرب.

الثانية «طيور العنبر» عن المدينة بعد حرب السويس 1956 والخروج الكبير للأجانب، والتحول لتكون المدينة مصرية فقط ويتغير كثير من ثقافتها.

وهذه الرواية عن المدينة في سبعينيات القرن الماضي، وكيف ظهرت فيها موجة جديدة من الفكر المتطرف دينياً، تحالف معه النظام السياسي وقتها، لتتخلى المدينة عن روحها المصرية وتتغير فيها الأمكنة وعادات الناس، ويتراجع فيها التسامح، وتودع روحها المصرية وما بقي من روحها الكوزموبوليتانية. الأعمال الثلاثة تشكل ثلاثية عن الإسكندرية في تجليات مختلفة، لذلك يمكن قراءتها متتابعة، ويمكن أيضا قراءة كل رواية مستقلة عن الأخرى.

«الساعة بعد الحادية عشرة. اللعنة عليكم. لماذا تلقون بالأشياء هكذا؟ قال عيسى سلماوي ذلك لنفسه وهو يعبر شارع دجلة القصير المؤدي إلى أتينيوس. لقد قام بجولة مجنونة انتهت بأن مرت زجاجة ألقيت من أعلى جواره، لكنها أصابت رأسه من الخلف.

سقطت قبعته التي ارتداها الليلة لتفادي المطر على الأرض بعد أن استقبلت الزجاجة. تناول القبعة، ولم ينتبه إلى الدم القليل الذي ظهر على شعره، فأسرع داخلاً أتينيوس الذي على بعد خطوات».

هكذا يسرد إبراهيم عبدالمجيد، ابن الإسكندرية التي غادرها عام 1975 ليقيم في القاهرة، ما كان يحدث في مدينته ليلة رأس السنة خلال سبعينيات القرن الماضي.

فلماذا غدا هذا طقساً من طقوس هذه المدينة الساحلية الجميلة؟ إلقاء الزجاج وبعض قطع الأثاث القديمة من شرفات البيوت في الشوارع عادةٌ يمارسها اليونانيون وبعض الشعوب الأخرى ليلة رأس السنة، اعتقاداً منهم أن التخلص من هذه الأشياء في هذه الليلة يطرد الشر والأحزان والآلام والذكريات السيئة التي حدثت خلال العام المنتهي، ويخلصهم من الطاقة السلبية، ويجعلهم يستقبلون العام الجديد بتفاؤل وأمل وطاقة إيجابية. ولأن كثيراً من اليونانيين والأجانب كانوا يعيشون في الإسكندرية في تلك الفترة، فقد اكتسبت المدينة منهم هذه العادة.

ورغم مغادرة كثير من اليونانيين والأجانب الإسكندرية على مدى السنوات التي تلت فترة السبعينيات لأسباب مختلفة، إلا أن الإسكندرانيين ظلوا يمارسون عادة الاحتفال بليلة رأس السنة بالطريقة نفسها، وذلك من خلال إلقاء الأواني والزجاج والأخشاب وبعض قطع الأثاث القديم من النوافذ والشرفات.

كانت الرواية قد صدرت عام 2012. ويوم الجمعة 31 ديسمبر 2021 استعاد إبراهيم عبدالمجيد شيئاً من أحداث روايته، ومن ذكريات المدينة التي يبدو أنها تغيرت كثيراً عن تلك التي كتب عنها، فغرد في حسابه على تويتر قائلاً: «بافتكر زمان في اسكندرية الساعة 12 من آخر ليلة في السنة والناس من الشبابيك بتودع السنة الماضية بإلقاء الصحون القديمة وأواني كثيرة من النوافذ على طريقة كسر قلة ورا الضيف الوحش، ويا عيني على اللي كان يتأخر وتيجي عليه الساعة 12 وهو في الشارع. كان لازم يجري أو يقف تحت البلكونات ساعة».

التغريدة وجدت تجاوباً من بعض أهالي الإسكندرية، فعلقوا عليها مستعيدين تلك الأيام، ذاكرين أن هذه العادة ما زالت تمارس حتى الآن، وإن كان يتم رمي أكياس مملوءة بالماء بدلاً من رمي الأواني القديمة. وقال أحدهم إن الدنيا قد تغيرت، فلم يعد القديم يُرمى لأنه ليس هناك جديد يأتي مكانه.

الرحيل إلى المدن القديمة رغبة تتنامى لدى البشر كلما أوغلوا في العمر، رغم الرفاهية التي تمتاز بها المدن الحديثة. وهو حنين لن يختفي من حياتنا، ليس لأن تلك المدن كانت أفضل، ولكن لأنها مرافئنا الأولى، ولأن كثيراً من الوجوه التي كانت تسكنها رحلت دون أن تمنحنا فرصة الامتلاء منها.

 

طباعة Email