بين البذرة والتربة: استراتيجية التنقيب في العقول

ت + ت - الحجم الطبيعي

يقول وارين بينس «Warren Bennis»، عبارة مفادها: إن هناك طريقتين لتحقيق الإبداع، الأولى هي أن تجد شخصاً مبدعاً، والثانية هي أن توفر بيئة إبداعية. نحن في هذا المقال نسعى للتأكيد على أهمية الطريقتين، مع وجوب الاجتهاد للجمع بينهما.

يعبر الإبداع في جوهره عن مجموعة عمليات، مثل: التجديد، التطوير، التحديث، الإصلاح، الإضافة، التعديل. علماً أن الإبداع يعتمد بشكل أساسي على تفعيل القدرة على تخيّل أفكار استثنائية، وعندما تبصر تلك الأفكار النور، ويتم تطبيقها في عالم الواقع، تصبح ابتكاراً. أي أن مفهوم الإبداع «Creativity» يرتبط بتوليد الأفكار، وأما الابتكار «Innovation» فيتعلق بالترجمة الواقعية للأفكار الإبداعية.

يعبر التفكير الإبداعي عن نشاط ذهني يختص بعملية توليد الأفكار القيّمة التي يمكن أن تسهم في إحداث تحول أو أثر إيجابي في المحيط البيئي الذي تطبق فيه، وهذه الأفكار لا يمكن أن تتولد من قبل الأفراد إلا بوجود بيئة تحتضن المبدعين، وتوفر الرعاية اللازمة لهم. على اعتبار إن الفرد المبدع مثل البذرة المميزة التي تحتاج تربة خصبة، قادرة على مدها بأسباب النمو والاستمرار في الحياة؛ وصولاً إلى توليد ثمرة مفيدة، قابلة للاستهلاك من قبل الإنسان.

تشبيه الفرد المبدع بالبذرة، نجده تشبيهاً على مستوى عالٍ من الدقة، لأن الفرد لا يكفيه أن يكون متمتعاً بقدرات ذهنية عالية، وصفات شخصية مميزة تمكنه من سلوك سبيل الإبداع، بل يحتاج أيضاً إلى من يهتم فيه، ويلبي له احتياجاته المختلفة؛ كي يتمكن من الاستمرار في ممارسة التفكير الإبداعي، مع القدرة على العطاء المميز.

نستنتج مما سبق إن ترسيخ مفهوم الإبداع والابتكار في المجتمع عموماً، وعلى المستوى المؤسسي بشكلٍ خاص، يستوجب اعتماداً قوياً على الإنسان، مع تركيز على مسألة التنقيب في عقول البشر عن الأفكار البناءة. في هذا الشأن يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في الفصل السابع من كتاب «رؤيتي: التحديات في سباق التميز»، والمعنون «التنقيب في العقول»، ضمن فقرة فرعية بعنوان: «احتضان الإبداع» ما نصّه: أريد الاعتماد على البشر وأريد التنقيب في عقولهم عن الأفكار الكبيرة ومساعدتهم على تطوير مكامن هذه الثروة الكبيرة وتحويل تلك الأفكار إلى مشاريع كبيرة وفرص عمل. هل نستطيع أن نفعل ذلك؟ طبعاً نستطيع؛ ليس في الإمارات فقط بل في كل الدول العربية. هذا ليس مطلباً مهماً فقط بل أمانة في عنقي وفي أعناق الكادر الحكومي، وأمانة في عنق كل صاحب مسؤولية في الوطن العربي. لا شيء عندي أهم من البشر على الإطلاق. عندما يسألني صحافيون ما هي الميزانية المخصصة لمشروع معين فإنني أقول إن ميزانيتنا موجودة لكن ميزانيتنا الأكبر هي الشباب والشابات أصحاب الكفاءات الذين نعتمد عليهم لتنفيذ المشروع.

تماشياً مع استراتيجية التنقيب في العقول، ولأن استئناف الحضارة يبدأ من البحث عن صنّاعها الحقيقيين، أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في 4 يناير 2022 عن إطلاق مشروع حضاري عربي للبحث عن النوابغ العرب الألف في مجالات الفيزياء والرياضيات وعلوم البرمجة والأبحاث والاقتصاد وغيرها.

الهدف من المشروع هو تمكين النوابغ من أداء دورهم الحضاري والإيجابي في المنطقة. وسيصبح متحف المستقبل المركز الفكري والإداري لهذا الحراك العلمي العربي الجديد.

في هذا السياق، يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: شخصياً أراهن على العلم والعلماء وأصحاب الأفكار لتغيير واقعنا العربي نحو الأفضل.

ويضيف سموه قائلاً: استئناف الحضارة يبدأ من البحث عن صنّاعها الحقيقيين.. والأمة التي تقدر علماءها ونوابغها ومفكريها وتمكن صناع الحضارة من دورهم، هي في طريقها الصحيح للسيادة والريادة والتفوق في المستقبل بإذن الله.

ختاماً نقول.. عقول البشر تستحق ما يبذل في سبيلها من وقت ومال وجهد، علماً بأن المجتمعات الرصينة هي تلك التي تعتني برأس المال البشري، وتمنحه ما يستحق من رعاية واهتمام. ذلك أن المورد البشري يعد العنصر الأساس، والمؤثر الرئيسي في الموارد الأخرى، مثل المورد المالي، والأصول الثابتة، وغيرها.

طباعة Email