«محاكمة العصر» في ماليزيا تؤجج الخلافات الداخلية

ت + ت - الحجم الطبيعي

ما إن خرجت ماليزيا من أزمتها السياسية باختيار إسماعيل صبري يعقوب في أغسطس الفائت كرئيس جديد للحكومة، إلا ودخلت اليوم أزمة جديدة بسبب تضارب المواقف في أوساط حزبها التاريخي الحاكم المعروف اختصاراً باسم «أمنو» حول محاكمة رئيس الحكومة الأسبق نجيب رزاق.ففي أوائل ديسمبر المنصرم أيدت محكمة الاستئناف الماليزية بالإجماع حكماً سابقاً بإدانة رزاق لاختلاسه 9.9 ملايين دولار من صندوق MBD السيادي، رافضة بذلك كل المحاولات لتبرئته.

وكانت المحكمة العليا الماليزية قد أصدرت في يوليو 2021 حكماً بسجن رزاق لمدة 12 عاماً وتغريمه 45.7 مليون دولار في سبع تهم شملت إساءة استخدام السلطة وخيانة الأمانة وغسيل الأموال.

وعلى حين ينظر البعض إلى هذا القرار القضائي الجديد بأنه خطوة هامة على طريق مكافحة الفساد وترسيخ لاستقلالية القضاء، يتخوف البعض الآخر من انعكاساته السلبية على الأوضاع السياسية الهشة في البلاد، ويتخوف البعض الثالث من أن يشكل القرار سابقة تطبق على زعيم «أومنو» الحالي أحمد زاهد حميدي الذي يواجه اتهامات جنائية شبيهة.

فنجيب رزاق ليس بالشخصية الهامشية في الحياة السياسية الماليزية كي تدان بهذه السهولة، ويسدل الستار نهائياً على طموحاته في العودة إلى السلطة. ذلك أنه من الرموز الكبيرة في الحزب الذي قاد البلاد إلى الاستقلال وتولى قيادتها على مدى ستة عقود دون انقطاع، وهو سياسي متنفذ وله اتباع كثر وشغل العديد من الحقائب الوزارية في الحكومات الماليزية المتعاقبة منذ منتصف السبعينات، ناهيك عن أنه نجل «تنكو عبدالرزاق» ثاني زعماء البلاد الذي شغل منصبه من 1970 إلى 1976 وعرف لدى الماليزيين بجهوده في تحرير أرياف البلاد من الفقر. ولكل هذا، يقول محاموه إن السبل لم تستنفد كلها بعد لاستئناف الحكم الصادر ضد الرجل السبعيني.

حيث قرروا أن ينقلوا القضية إلى المحكمة الفيدرالية (أعلى محكمة نهائية)، وبهذا تمّ إخلاء سبيل رزاق بكفالة مالية، ما سمح له بمزاولة عمله في البرلمان الاتحادي كنائب منتخب، انتظاراً لقرار المحكمة الفيدرالية الذي قد يستغرق نحو عام.

لكن مؤيدو وأعوان رزاق داخل الحزب الحاكم وخارجه يأملون أن يقوم العاهل الماليزي عبدالله إبن السلطان أحمد شاه قبل ذلك بإصدار عفو ملكي عنه، خصوصاً وأنه يملك صلاحية منح العفو الكامل عن جميع الجرائم المرتكبة على أراضي الاتحاد الماليزي، ناهيك عن أن هناك سوابق في هذا الشأن يمكن البناء عليها. فسلطان ماليزيا السابق محمد الخامس أصدر عام 2018 عفواً ملكياً عن زعيم المعارضة المعتقل آنذاك أنور إبراهيم، ما حرر الأخير من سجنه وأسدل الستار على كافة التهم التي فبركها ضده الزعيم الماليزي الأسبق مهاتير محمد بدوافع سياسية، الأمر الذي مهد الطريق أمامه للعودة إلى حلبة السياسة وخوض انتخابات 2018 العامة.

وسادت في الأشهر القليلة الماضية مخاوف في أوساط المعارضة الماليزية من أن تؤدي عودة «أومنو» إلى السلطة بقيادة إسماعيل صبري، إلى استخدام الأخير لنفوذه وسلطاته للتأثير على السلطة القضائية بغية تبرئة رزاق، خصوصاً وأن رزاق لعب دوراً لجهة صعوده إلى قيادة البلاد، وذلك حينما قاد هو وصديقه أحمد زاهد حميدي تمرداً داخل الحزب الحاكم للإطاحة برئيس الحكومة السابق محيي الدين إسماعيل.

لكن يبدو أن صبري استوعب مخاطر التدخل في أحكام القضاء، رغم استيائه من إدانة رزاق، فقرر النأي بنفسه عن التدخل والضغط حفاظاً على سمعته وتفادياً لسكاكين المعارضة المتربصة به وحملات مهاتير محمد التشهيرية المتوقعة. غير أن قراره هذا قد يؤدي إلى اتساع شقة الخلاف داخل الحكومة والحزب الحاكم، وقد ينجم عنه وصفه بالقائد المتخاذل الذي يتخلى عن رجاله في أوقات الشدة والأزمات. في غضون ذلك، يستمر رزاق في استغلال كل الأدوات المتاحة أمامه، ولاسيما وسائط التواصل الاجتماعي، لحشد التأييد لشخصه ولتبييض صفحته وتصوير ما حدث له على أنه محاولة استهداف رخيصة قام بها أتباع مهاتير بالتعاون مع شخصيات من إدارته السابقة مثل محافظة بنك نيجارا ماليزيا ستي أختر عزيز وزوجها توفيق أيمن ورجل الأعمال الهارب لو تايك جوهو، الذين يتهمهم بتحويل أموال إلى حساباته البنكية دون علمه.

ولعل ما شكل دفعة معنوية كبيرة لرزاق، وجعله أكثر إصراراً على المضي قدماً في هذا التوجه هو نتائج الانتخابات المحلية في ولاية ملقا في نوفمبر الفائت، والتي قاد فيها رزاق حزبه إلى انتصار ساحق تمثل في سيطرته على 21 مقعداً من أصل 28 مقعداً.

طباعة Email