البحث عن عين دودة

ت + ت - الحجم الطبيعي

دار هذا الحوار بيني وبين الأستاذ أبوصالح أنيس لقمان الندوي، أثناء الاستراحة بعد جلسة افتتاح الخلوة الثقافية، التي نظمها مركز أبوظبي للغة العربية الأسبوع الماضي، في إطار احتفائه باليوم العالمي للغة العربية، تحت عنوان «العربية لغة حياة». شارك في الخلوة عدد من المسؤولين والمثقفين والأساتذة الجامعيين والمهتمين باللغة العربية، ودارت نقاشات جلساتها حول حاضر اللغة العربية ومستقبلها.

قال صديقي عاشق اللغة العربية، بينما كان الحضور يتحلقون واقفين حول الطاولات، يحتسون أكواب الشاي وفنجانين القهوة استعداداً لجولة العصف الذهني المقررة:

● عندما أحضر مثل هذه الملتقيات أنظر خلالها بعين الدودة لا عين الطائر!

نظرت إليه أنا بعين طالب المزيد من الإيضاح فواصل، وكأن نظرتي المتسائلة قد أثارت حماسته:

● عين الطائر وعين الدودة (ويفضل البعض تسميتهما نظرة الطائر ونظرة الدودة) مصطلحان شاعا بين الرسامين والمهندسين وغيرهم، حيث يراد بعين الطائر محاولة النظر إلى شيء أو مشهد من فوق بالصعود إلى مكان شاهق، أو تصور ذلك كأنه يُشاهد من فوق، بينما يراد بعين الدودة عكس ذلك، أي تصور شيء أو مشهد ما في الذهن أو النظر إليه بالفعل من أسفله أو من قريب. وبناءً على هاتين النظرتين كان الرسامون والمهندسون يضعون خططهم ورسومهم المعمارية والفنية على الورق، سواء لرسم مشهد طبيعي، أو بناية، أو مدينة كاملة.

قلت محاولاً استفزازه على نحو إيجابي:

● وما شأننا نحن، عشاق اللغة العربية، بالرسامين والمهندسين؟ نحن نحاول أن نبني جملة صحيحة سليمة من الأخطاء، ولا يحسن أغلبنا رسم عين طائر ولا عين دودة.

قال دون أن تفقده دعابتي، التي ربما بدت في غير وقتها، حماسته:

● استعار الفلاسفة والمثقفون والمفكرون الاجتماعيون هذين المصطلحين لاحقاً للتعبير عن شتى أغراضهم في وصف أو نقد أوضاع البشر، أو حالة من الحالات الإنسانية، أو قضية من قضايا المجتمع. فالبعض يستخدم عين أو نظرة الطائر بمعنى نظرة كلية بعيدة المدى، وعين أو نظرة الدودة بمعنى نظرة جزئية قصيرة المدى، مثلما فعل زكي نجيب محمود في كتابه «الكوميديا الأرضية» حيث يقول: وكذلك الأمر في الدولة وسياستها، فقد توصف الدولة بأنها بعيدة المدى في سياستها، أو قصيرة المدى. والفرق بين الحالتين هو الفرق بين نظرة الطائر ونظرة الدودة. وأعتقد، والكلام لزكي نجيب محمود، أننا نصيب إذا قلنا إنّ نظرة الطائر علامة من علامات التقدم والرقي، ونظرة الدودة دليل على التأخر والبدائية.

قلت لصديقي المنحاز لنظرة عين الدودة:

● وهل توافق أنت على رأي المفكر والفيلسوف والأديب المصري الكبير أم تختلف معه؟

أجاب وقد بدا لي أنّه راغب في الاستفاضة:

● أنا لا أوافق على حصر مفهوم الاستعارتين في هذه الثنائية الضيقة، فنظرة الدودة لا تقل أهميتها عن نظرة الطائر إن لم تزد، لأن الدودة تنظر في التفاصيل وتتفاعل مع الواقع عن قرب، وهي بالتالي أدرى بما يمور به الواقع من تحديات وفرص ومن إيجابيات وسلبيات.

أما نظرة الطائر فهي كما تكون شاملة قد تكون بعيدة عن الواقع المعيش على أرض الواقع، وبالتالي قد تتسبب الحلول المقترحة بناءً على نظرة الطائر وحدها في زيادة المشكلات المراد حلها تعقيداً بدلاً من تقليلها. لذا لا بد من الجمع بين النظرتين لاستيفاء صورة حقيقية كاملة قدر المستطاع عن أي شيء موجود بالفعل، أو الذي يُستشرف ويتوقع إيجاده بتوفير أسبابه ومستلزماته الممكنة.

قلت لصديقي الذي لا يغيب عن ندوة أو ملتقى أو خلوة يكون موضوعها اللغة العربية:

● وأي العينين أو النظرتين ترى فيما تحضره وتشارك فيه من ندوات وملتقيات وخلوات؟

قال وفي نبرة صوته بعض من أسى لا يخلو من بارقة أمل:

● أحضر وفي نيتي أن ألفت أنظار كبار الطيور، أو الصقور، المجتمعين هناك إلى الذي ما زلت ولا أزال أنظر إليه أنا بعيني الدودية المعنية بالتفاصيل الدقيقة المتعلقة بحالة اللغة العربية منذ أربعة عقود ونيف، والمتفاعلة معها بوعي وإصرار حتى يتمكنوا من رؤية الأزمة أو المشكلة الحقيقية كما هي، ويتوصلوا إلى حل ناجع لها، وهو في متناولهم.

كنت على وشك أن أسأله عن الحل لولا أن قطعَتْ حوارَنا دعوة منظمي الخلوة للدخول إلى القاعة، فمشيت وأنا أبحث عن دودة أستعير منها عينها، لأشارك صديقي عاشق اللغة العربية نظرته الدودية المعنية بالتفاصيل الدقيقة، فأنفذ منها إلى ما لا تراه عيون الصقور المحلقة.

طباعة Email