التجربة الرواندية

ت + ت - الحجم الطبيعي

كلما ساقتني الأحداث التي مرت بها دول عربية رئيسية على مدار 10 سنوات مضت، تجاه زاوية اليأس من انصلاح الحال، تداعت إلى ذهني التجربة الرواندية، فيطل شعاع أمل يبدد ظلمة إحباط، نستسلم له أحياناً كتكئة للتنصل من ضرورات المستقبل!

قبل 5 سنوات مضت، أمضيت أسبوعاً في كيغالي عاصمة رواندا، برفقة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لمتابعة أعمال القمة السابعة والعشرين للاتحاد الأفريقي.

كان جل اهتمامي خلال الأيام السبعة للزيارة، هو تدارس تجربة رواندا البلد الذي مر بكارثة حرب أهلية في عام 1994 تعد الأفظع في التاريخ الإنساني المعاصر، أفقدته قرابة مليون مواطن أي7 % من إجمالي السكان، في أعمال تقتيل عرقية مجنونة بين المتطرفين من قبائل الهوتو التي تشكل نحو

٨٥٪ من مواطني رواندا وأقلية التوتسي التي تشكل 15 % من مواطني رواندا.

على مدار مائة يوم فقط، تعرضت الدولة لتدمير شبه كامل في منشآتها ومرافقها، ولم تجد السلطات أمام الحجم الهائل من الضحايا، سوى إلقاء الجثث في النيل الأبيض حيث توجد منابع النهر في هذا البلد المغلق الذي لا يطل على سواحل.

كان المشهد حينئذ أقرب لتلك القرية التي مر عليها رجل ( قيل إنه نبي الله العزير)، فوجدها خاوية على عروشها، وتساءل:«أني يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه»، وحينما بعث كانت القرية عامرة بالحياة والناس والتجارة.

غير أن معجزة رواندا استغرقت 30 عاماً فقط، من الخراب الشامل إلى تحقيق واحد من أعلى معدلات النمو في العالم، بلغ أكثر من 7 ص %..!

نقطة التحول جاءت بعد 6 سنوات فقط من مذابح الإبادة الجماعية، حينما انتخب بول كاغامي رئيساً لرواندا، وضع كاغامي وهو رئيس سابق لهيئة الأركان شغل قبل انتخابه منصب نائب رئيس الجمهورية، ذكريات الحرب في متحف، يروي فظائع الحرب الأهلية، لكنه جعل منها دافعاً للتمسك بالحياة وبوحدة البلاد، بديلاً عن غرائز الانتقام ونزعات الثأر.

استطاع كاغامي الذي أتاح له الدستور سلطات رئاسية واسعة تشمل تعيين رئيس الوزراء والوزراء، مع وجود برلمان ذي غرفتين يراقب أعمال الحكومة، أن يحتفظ بمنصبه عبر الانتخابات منذ عام 2000 وحتى الآن، وحظي بفضل قبضته القوية والمعجزة التي حققها لبلاده بأغلبية 98% في الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2017.

غير أن أهم ما أنجزه كاغامي على طريق الإصلاح السياسى هو إجراء تعديلات على الدستور، تجرم تأسيس أحزاب أو منظمات سياسية على أساس العرق أو القبيلة أو المنطقة أو الجنس أو الدين أو أي شكل من أشكال التمييز.

اختصاراً.. قفز نصيب الفرد من الناتج المحلي من 416 دولاراً عام 1994، إلى 2444 دولاراً في عام 2019، وصارت رواندا مركزاً لتجارة الخدمات في قلب أفريقيا ومقراً إقليمياً لكبار المصارف العالمية، ونقطة جذب للاستثمارات، بالأخص في مجالات الزراعة والصناعات الكيماوية والمعدنية، وأصبحت العاصمة كيغالي واحدة من أكثر عواصم العالم في النظافة وحماية البيئة، بفضل قانون صارم ورغبة من جانب المواطنين في الحفاظ على البيئة في هذه الدولة الخضراء التي تعرف بـ«بلد الألف تل».

مهما قيل فيما جرى في العراق ومن بعده في سوريا و ليبيا، وما حدث قبلها في لبنان، فإنه بلا شك أقل دموية (بالقياس لعدد السكان) وأقل مرارة مما جرى في رواندا.

وفى رأيي المتواضع أن نقطة البدء في تلك الدول، تبدأ من العدالة الانتقالية، ومن النص دستورياً على عدم جواز قيام أحزاب على أساس ديني أو طائفي، وعلى إلغاء المحاصصة بين الطوائف في الحكم، وكفالة انتخاب رئيس الجمهورية على أساس الجدارة مع منحه صلاحيات واسعة، وانتخاب الأحزاب على أساس البرامج، لا حسب الطائفية أو المذهبية أو الانتماء العرقي.

وإذا كنا ننشد في دولنا التي مازالت تعيش في أزمات مستعصية، أو لم تبرأ بعد من عواصفها، ديمقراطية على النسق الغربى، فإنها نقيض لمبدأ المحاصصة، وإذا كان الهدف من أي حكومة رشيدة، هو الحفاظ على وحدة البلاد والنهوض بها والارتقاء بمعيشة المواطنين، فإن التنازع السياسي الطائفي ليس هو السبيل.

ودائماً.. يقع على عاتق الشعوب في مراحل الانتقال تحديد النهج والمسار، وهو ما يجب أن تترجمه الدساتير.

* كاتب صحافي

 

طباعة Email