00
إكسبو 2020 دبي اليوم

كي لا نصبح ملفات لدى الشركات

ت + ت - الحجم الطبيعي

هل حدث أن فكرت في شراء سيارة، وعندما فتحت أول مقطع فيديو على موقع «يوتيوب» صادفك إعلان عن نوع محدد من السيارات؟

هل حدث أن فكرت في التخطيط لإجازتك، وعندما فتحت موقعاً إلكترونياً صادفك إعلان عن وجهة سياحية محددة، أو شركة تنظم رحلات سياحية بأسعار مغرية؟

هل حدث أن فكرت في شراء بيت، وعندما دخلت على موقع «تويتر» لتغرد، أو تتابع حسابات المغردين، صادفك إعلان عن شركة عقارات تقدم عروضاً مذهلة لشقق وفيلات ومجمعات سكنية؟

إذا كنت تعتقد أن هذه الأشياء تحدث لك بالصدفة فأنت مخطئ. وهذا هو ما تؤكده رواية «زايتجايست» للكاتب البولندي ميهاو بروتاشوك، التي تقول إنك إذا كنت تظن نفسك مكوناً من خلايا فأنت مخطئ، ففي عالمنا الحالي أنت مكون من معلومات. أنت تاريخ تصفحك على محركات البحث، وبيانات دخولك على هاتفك المحمول، ومعلومات حساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي. أنت ملف في قواعد ملفات الشركات العملاقة متعددة الجنسيات التي تتنبأ بخياراتك، وباختيارات المجموعات الاجتماعية التي تنتمي لها بشكل كامل، أو لنكون أكثر دقة، التي تتحكم في خياراتك. «زايتجايست» عمل تتعرف فيه على أسرار الشركات التي تحتفظ بقواعد بيانات عملاقة، وترى القوى الخارقة التي تتمتع بها في مواجهة أفراد قلائل يتحدّون النظام ويسعون لكشف الحقيقة، ولكن هل يمكن لأحد مواجهة من يعرف عنه كل شيء؟

تبدأ الرواية بعرضٍ مغرٍ تقدمه إليزابيث، التي تعمل لصالح شركة «أوبك»، لمحلل البيانات ماتيوس كوفمان، بعد أن ينجح في الاختبار الأول الذي تجريه له، من خلال تتبع بيانات أحد الأشخاص والتنبؤ بتصرفاته. يتم تعيين كوفمان في شركة «أوبك» براتب يبلغ خمسة أضعاف الراتب الذي كان يتقاضاه من عمله. بهذا تبدأ مهمة كوفمان الجديدة، والمتمثلة في التنبؤ بمستقبل آدم أوكونر، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبك». لكن الأمر لم يخلُ من مؤامرة على أوكونر، يديرها سايمون هيثواي، الذي يخطط كي يكون الرئيس التنفيذي البديل بعد أن يتم القضاء على أوكونر، لتكون «أوبك» في عهده مديرة نهاية العالم. تتعدد الشخصيات الرئيسية في الرواية، ومن أهمها أليشيا راك التي تملك مدونة تحقيقات، وتكتب باسم مستعار هو دوغني تاغارت، وأندريه بوديرا، أحد المديرين المهمين في الشركة، الذي يتم التخلص منه قبل أن يصل إلى أليشيا ليكشف لها حقيقة «روح العصر».

«روح العصر» أو «زايتجايست» هو المشروع الذي كانت الشركة، التي يقع مقرها في دبلن، تعمل على تحقيقه. كانت الشركة تحب الرهانات الكبرى، وقد أتت بفكرة لبناء برنامج محاكاة للعالم كله حرفياً، بحيث تقوم بمحاكاة كل شخص. أرادت الشركة جمع كل البيانات المتاحة من مواقع التواصل الاجتماعي، وصنع ملفات تعريفية لجميع الشخصيات الرئيسية؛ كالسياسيين، ورجال الأعمال، والفنانين المؤثرين في الجماهير. كانت ستخلق صوراً أعمق، ثم تبدأ المحاكاة وتراقبها، وبفضل هذه المحاكاة ستحصل على الأداة المثالية اللازمة للتنبؤ باتجاهات المستهلكين لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، ما الذي سيكون مألوفاً، وفيم يجب على الشركة أن تستثمر أكثر أموالها، وماذا يجب عليها أن تتجاهل الكأس المقدسة لكل شركة.

سوف تكتشف بعد أن تنتهي من قراءة الرواية أن «سيري» و«أليكسا» اللذين يخدمانك طوال الوقت لا يفعلان ذلك من أجل سواد عينيك. فهما يقومان بإطفاء ضوء غرفتك قبل أن تنام، ويضبطان لك جهاز التكييف على الدرجة التي تناسبك، ويشتريان لك تذكرة سفرك ومقعدك إلى الجهة التي تقصدها، ويطلبان لك أشهى غداء من أفضل مطعم في المدينة، ويقومان بتشغيل الكتب المسموعة التي تفضل الاستماع إليها، ويوفران لك المعلومات التي تحتاجها عن الطقس، وحركة المرور، وأخبار الرياضة... وغيرها، لكنك تدفع مقابل هذه الخدمات معلوماتٍ عن نفسك.

أنت مراقب من الأجهزة الذكية التي تنتشر حولك منذ أن تفتح عينيك إلى أن تغلقهما، وحتى بعد أن تغلقهما. لا تعتقد أنك بمنأى عن هذه الأجهزة طالما أن هناك ذبذبات تصدر عن جهاز قريب منك، لم تعد أنت قادراً على الاستغناء عنه، ولم يعد هو قادراً على أن يكون وفياً لك وحدك، فهو يخونك ويسلم أسرارك إلى أولئك الذين صنعوه وبرمجوه وجعلوك لا تستطيع الاستغناء عنه حتى وأنت مستغرق في نومك وسط أحلامك الملونة وتلك القادمة من زمن الأبيض والأسود، عندما لم تكن هناك أجهزة ذكية تراقب حركاتك وسكناتك، لتصنع منك ملفاً لدى شركة تخطط لإفراغ جيوبك.

* كاتب وإعلامي إماراتي

طباعة Email