الاغتيال فعل يائس في عالم السياسة

ت + ت - الحجم الطبيعي

التصفيات الجسدية في عالم السياسة ليست مما يستبعد الأخذ بها من قبل بعض الحكومات أو من قبل بعض قوى المعارضة خاصة في دول آسيوية أو أفريقية أو أمريكية لاتينية.

فقد شهدت معظم دول الشرق الأوسط في تاريخها الحديث العديد من هذه العمليات اسُتهدِفَ بها شخوص بارزة نجحت بعضها وفشلت أخرى. ولسنا هنا بصدد التطرق إلى تفاصيل ذلك بل سنسلط بعض الضوء على الأخيرة منها التي حصلت في السابع من نوفمبر المنصرم، والتي استهدفت حياة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي.

واجه الكاظمي في فترة رئاسته القصيرة للوزارة التي لم تتجاوز السنتين تحديات لم يواجهها الذين سبقوه في إشغال هذا المنصب لأربع سنوات أو لضعف ذلك، إلا أن هذه التحديات رغم قساوتها لم ترتقِ إلى مستوى استهداف حياته إلا بعد إعلان النتائج الأولية لانتخابات العاشر من أكتوبر التي هُزمت فيها الفصائل المسلحة بكياناتها السياسية.

استهداف الكاظمي لم يكن رسالة تحذيرية كما قد يذهب البعض إلى ذلك، بل محاولة حقيقية لتصفيته جسدياً كرئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ورسالة استباقية في الوقت نفسه لمن يخلفه.

كانت محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم الفاشلة في أكتوبر 1959 الأولى في تاريخ العراق تستهدف حياة أرفع شخصية في الدولة، حيث كانت وفق التحليلات السياسية في حينها الفصل الأكثر خطورة في سيناريو تصفية منجزات ثورة الرابع عشر من يوليو من قبل من تضررت مصالحها، سيناريو تكلل بالنجاح لاحقاً في انقلاب الثامن من فبراير 1963.

المشهد السياسي يعيد تشكيل نفسه في نوفمبر 2021 مع فارق مهم فمحاولة اغتيال الكاظمي هي الفصل الأهم منذ سقوط النظام السابق في سيناريو وأد مشاريع استعادة الكبرياء العراقي وسحب البساط من تحت أقدام التنظيمات الولائية وفصائلها المسلحة بغية إعادة العراق دولة لها اعتبارها في منطقة الشرق الأوسط، وهو مما لا يرضي فقط بل يتعارض مع أهداف ومصالح الجارة الشرقية التي صنعت لها أذناباً وميليشيات تغلغلت بعمق في بنية جميع مؤسسات الدولة.

الكاظمي سياسي لا يميل لخوض المواجهات فقد لمسنا منه التراجع عن اتخاذ أي موقف يتطلب ذلك في مناسبات عديدة سابقة نال الخصوم من شخصه الكثير إلى حد التجريح والإهانة سكت عنها وتجاهلها تماماً، مما أثارت في حينه الكثير من علامات الاستفهام حول مآلات الوضع في العراق في الوقت الذي تتعرض السلطة التنفيذية فيه لأشد أنواع الاستهداف قساوة وهو تقزيمها لصالح قوى ميليشياوية لا تمت للدولة بصلة، ربما تمهيداً للسيطرة عليها كما كان الحال في سابقة شهدناها قريباً في اليمن وهو سيطرة ميليشيا الحوثي على مقاليد الدولة.

سياسات حكومة الكاظمي لم ترتقِ لمستويات تحدي الميليشيات الولائية على خلفية انتهاكاتها وتجاوزاتها على مرافق حساسة من واجب الدولة توفير الحماية لها، فقد استُهدفت السفارة الأمريكية واستُهدفت قواعد عسكرية عراقية، واستُهدف مطار أربيل أكثر من مرة وفشلت الحكومة في ملاحقة من تسبب بمقتل ما يقرب من ثمانمائة شاب وصبية وجرح وإعاقة الآلاف ممن اشتركوا في انتفاضة تشرين لعام 2019.

صحيح قامت حكومة الكاظمي بالكشف عن بعض من نفذ عمليات الاغتيال، وهم في الحقيقة ليسوا غير أدوات فهي لم تكشفهم كأفراد نفذوا هذه العمليات بقرارات عليا من التنظيمات التي ينتمون إليها أو بفتاوى مرجعيات دينية توظف هذه التنظيمات. في هذا السياق لم ينصف الكاظمي الضحايا ولم يطمئن الشعب العراقي إلى سلامة سياسات التهادن المتبعة لمواجهة الميليشيات المسلحة.

إلا أن محاولة اغتياله تضعنا أمام وضع مختلف كلياً، فاستهداف رئيس الوزراء قضية تتجاوز شخصه لأنها تمس أمن الدولة، لذا فإن أية تسويات مع الجهة أو الجهات التي قامت بالمحاولة أو تعاطفت معها أو العمل على حرف التحقيقات الجارية لتقديم الفاعلين أفراداً وليس تنظيمات سياسية سينهي إلى حد كبير الدولة وما تبقى من هيبتها، خاصة أن الميليشيات الولائية تمر بأضعف حالاتها.

فهي لم تقدم على محاولة الاغتيال إلا انطلاقاً من موقف يائس بعد هزيمة واجهاتها السياسية في الانتخابات، ولم تعد قادرة على الاحتجاج بغير التظاهرات ولا تجرؤ على إخراج المواكب المسلحة، واستعراض قواها في شوارع وساحات العاصمة.

 

* كاتب عراقي

 

طباعة Email