حصون منزوعة الأبواب!

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا أظن أحداً من جيلي، على الأقل، قد عاصر مثل هذا التسارع المرعب في الأحداث ومستجدات النزعات والتوجهات، والآتية دون استشارة أو استئذان أو تلطيف من الكبار، أو دول المركز، التي تُمسِك بكل خيوط المشهد الإنساني، على الدول التابعة، وهي بقية دول العالم، ولا يكاد يمرّ يوم، إلا ونستصغر معه عِظَم ما أتانا بالأمس، لفداحة ما نرى الآن، وبعد أن كُنا نبدي الرفض، صرنا نكتفي بأن نرجو أن يكون الأذى القادم أقل حدّة!

يقول الفيلسوف الفرنسي المعاصر موريس بيلي: «إنّ العالَم يقتفي أثر الغرب، والغرب يهيم بلا وجهة»، فالغرب أزعجنا بحقوق الإنسان، وتدخّل في شؤون كل الدول القريبة والبعيدة، تباكياً عليها، رغم أنّه، وببساطة، لم يكن يعرف حقوق الإنسان أصلاً في أوروبا نفسها، فضلاً عن أن يكون المُنافح عنها خارجها، فالأرض في عصور أوروبا الوسطى.

ومَن عليها مِن بشر، كانت لمجموعة من الإقطاعيين والنبلاء، لهم كل الحقوق، وعلى بقية البشر هناك كل الواجبات، دون حق، سوى لُقيماتِ طعامٍ تُعينه للعمل بكد في أرض السيّد، لتزداد ثرواته على حساب بؤس واغتيال مستقبل كل السكّان!

ولم تُعرَف تلك الحقوق، حتى انطلقت ثورة كرومويل بإنجلترا عام 1649، رافعةً شعارها للتخلّص من الطبقة البرجوازية، ومعاملة بقية البشر هناك كبشر لهم حقوق لا يجوز مصادرتها، لكن صدى تلك الثورة كان ضعيفاً في أوروبا، لكون إنجلترا بروتستانتية، منشقة عن الكنيسة الكاثوليكية، التي تدين لها بقية أوروبا بالولاء، ولم تخرج شعارات حقوق الإنسان في كامل القارة.

إلا مع الثورة الفرنسية عام 1789، لكنها لم تأتِ بحقوق إلا للعرق الأبيض، أمّا بقية الأعراق، فلا حقوق لهم، لذا، استمرّت جهود تفريغ القارات الأمريكية الثلاث، بالإضافة لأستراليا، من أهلها الأصليين، واستبدالهم بالكامل بالفاتحين القادمين من أوروبا البيضاء، وتمددت جهودهم الاستعمارية في كل مكان!

هذا الغرب التائه، كما يقول موريس بيلي، خير من تنطبق عليه الحكمة الشهيرة: «السلطة المطلقة، مفسدةٌ مُطلقة»، فهو يُقرّ ما يشاء، ثم يُلزِم البقية بما يراه، ولا يحق للباقين أن يعترضوا، فضلاً عن أن يرفضوا، فالضغوط التي توضع فوق حكومات الدول، هائلة للغاية، ولا يمكن التخلّص منها أو مواجهتها، إلا بأثمان باهظة، قد تقوّض كل مجهودات التنمية، بل قد يصل الأمر إلى تهديد البقاء ذاته.

فالهيمنة المعاصرة للغرب مرعبة، والتعايش معها أشبه بالسباحة في بركة مليئة بالتماسيح، والتنازلات معهم لا نهاية لها، ولا يبدو أنها تأبه إن أوجدت تلك التنازلات شروخاً خطيرة في النسيج المجتمعي لبقية دول العالم «المحافظة»، وكانت منذرة بتبعاتٍ لا يمكن التنبؤ بحِدّتها أو حجمها.

إنّ ما يجري أمامنا، جعلنا نشعر أننا نحلم، فهو أكبر مِن أن نستوعبه، فالهجمة الغربية الشرسة على الفضيلة والقيم والأخلاق، والطعن في الدين، والاستهزاء برموز وقدوات الأمم، أصبحت فوق التحمّل فعلاً، فما كان مُقَبَّحاً مرذولاً في الماضي، أصبح مقبولاً.

ويُفرَض على أساس أنه شيء طبيعي، والخوف أن يكون مفروضاً في قادم الأيام، فمجريات الأحداث، توحي بأن الدين والمنظومة الأخلاقية والأسرة «الطبيعية»، يجب أن تُزاح من الطريق، وأنّ «الملعب» تتم تهيئته لقيم ومنظومات سلوكية أقرب للبهيمية، منها للإنسانية السويّة، والموجع أنّ ما يتم تسريع إخراجه، لا يحمل بدائل أخرى، ولا يقبل رفضاً أو معارضة، ولا يحترم أي ثقافة أو قيم مُخالِفة له!

إنّ الدور الأكبر الآن، يأتي على الأُسرة نفسها، فالنظام العالمي، لا يجعل كِبار لاعبيه فيه أي فرصة «انحرافٍ» عن المسار «المنحرف» مِن بقية الحكومات.

فالحصون التي كانت موجودة، أصبحت منزوعة الأبواب، والملاذ الأخير الذي لم يصلوا له حتى الآن، هو الأسرة، وما لم يتحمل الأب والأم هذه المسؤوليات المتزايدة، للحفاظ على أبنائهم، وتأصيل تعاليم الدين وقيم الفضيلة وثوابت الهوية.

ويعززوا فيهم الارتقاء الإنساني عن البهيمية الفجّة، التي تسري من حولنا، وفي شاشاتنا، ومن خلال أجهزة هواتفنا، سريان النار في الهشيم، وإلّا فإن مسألة تلاشي هذه المجتمعات، سيكون مسألة وقتٍ لا أكثر!

لست ممن ينشر التشاؤم، فثقتنا بالله سبحانه كبيرة، لكن لا بد أن نعي أنّ الثقة تأتي تاليةً لحُسن العمل، وبذل الجهد في دفع الضرر، أو تقليل أثره، فمَن أساء البذر، لا يلومنّ سوء الحصاد، وتأييد الله لا يأتي عبثاً، بل مشروطاً، كما قال جل مِن قائل: «وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ»!

 

* كاتب إماراتي

 

طباعة Email