اطلبوا «القيم» ولو بالصين

ت + ت - الحجم الطبيعي

بعض الحوادث الكارثية، التي تضرب المجتمعات البشرية، على اختلاف أماكنها، على الكرة الأرضية، كالزلازل، والحروب المدمرة، والمجاعات المهلكة، تخلف صوراً أليمة في الذاكرة الجمعية للشعوب، وفي وجدانهم يصعب أن تزول، بل تصبح بمرور الوقت جزءاً من بنيتها الأساسية، من أرشيفها الدائم، وتبقى الذاكرة هشة في صدها لتلك الصور كي لا تخرج، خصوصاً إذا ما تم استدعاؤها على نحو مفاجئ، من أي عامل مثير، كأن يكون حادثاً، أو حديثاً، أو أغنية حزينة، أو حتى وجبة طعام جيدة، يمكن أن تستدعي تلك الصور الحية أبداً، مثلما وقع ليوجين يون، الكاتب الصيني صاحب رواية «1942»، وهو تاريخ المجاعة الكبرى، التي عصفت بالصين، وأودت بأرواح 3 ملايين شخص.

ورغم أن الكاتب يوجين يعول على شعبه في تجاوز أشد الكوارث الطبيعية إهلاكاً، ويصفهم بخبراء حياة وبارعون في السياسة منذ القدم، إلاّ أن تلك المجاعة الهائلة عام 1942، ظلت ذكرى أليمة في نفوسهم، خاصة الذين شهدوها، وانكووا بنارها، حيث ظلت حية تقاوم النسيان والتلاشي، بدليل ما وقع له عشية تلقيه دعوة على العشاء من صديق، إذ حال جلوسهما إلى مائدة باذخة، عليها من الطعام والشراب ما لذ وطاب، انقبض صدره، وتكدر مزاجه، ليعود إلى الوراء، ويتذكر تلك السجلات التاريخية للمجاعة، في بلدته «يانجين»، التي اطلع عليها، واستعان بمعلوماتها المفزعة، لكتابة روايته، فتلك المائدة العامرة باللذائذ، التي لب يوجين الدعوة إليها، وصدمته، لا تزال عند الكثير من الصينيين مدعاة للتذكر الحرج، والتضامن مع الذين قضوا جوعاً في ذلك العام، لذلك يصعب عليهم حتى اليوم التباهي بالولائم على نحو باذخ، إلى حد أنها دخلت في حيثيات قانون، جرى إصداره مؤخراً، يمنع بموجبه الأغنياء والمشاهير، على الأراضي الصينية، من التباهي بالحياة الرغيدة، والثروة، في وسائل التواصل، بل أوجب القانون عليهم اتباع القيم، والتقاليد، والعادات الحميدة، واحترامها، وذلك لما يسببه تباهي الأغنياء والمشاهير على وسائل التواصل، من اضطراب بين طبقات المجتمع الصيني، مما قد يفضي إلى نشوب أزمة اجتماعية، من نوع ما. إنها الذاكرة التي يصعب الانعتاق منها، وقيد الفكرة الذي يكون أقوى من قيود الحديد.

ولم تتوقف الصين، في هذا السياق القيمي عند هذا القانون، بل ذهبت إلى جبهة اجتماعية أبعد، إذ قررت إضافة مادة «تشجيع الرجولة»، في المناهج المدرسية، بعدما لاحظ المسؤولون، وفقاً لما جاء في التمهيد، لاحظوا «الذكور من الجيل الحالي أصبحوا خجولين وحساسين، أكثر من اللازم»، ونشر التقرير وكالة «إن بي سي» الصينية للأخبار، ومادة «تشجيع الرجولة»، التي أثارت حولها سجالات حادّة بين الشباب، جاءت بتوصية تعزيزية من المستشار السياسي للحكومة الصينية، والأمن القومي الصيني، سي زيفو العام الماضي، والذي جاءت كلماته مؤثرة، مما حمل على الإسراع بتنفيذها، حيث قال زيفو: إن الأمة الصينية تعاني من أزمة رجولة وطنية. لقد أفسدت ربات البيوت والمعلمات الصينيات الصينيين.

وبدأت الصين تتعامل مع الذكور، بدءاً من رياض الأطفال، وحتى المرحلة الثانوية، وفقاً لبرامج التربية البدنية المشدّدة، يقوم به مدربو الصالات الرياضية، ممن تم اختيارهم وتدريبهم، لهذا الهدف الوطني، والوقوف أمام ظاهرة «تأثير مشاهير الإنترنت على قيم المراهقين». هل سوف تتبدل مقولتنا الشهيرة، لتصبح «اطلبوا القيم ولو بالصين»؟

 

طباعة Email