00
إكسبو 2020 دبي اليوم

جدلية العلاقة بين النجاح والشهرة: مدخل تحليلي

ت + ت - الحجم الطبيعي

كثير من التساؤلات تدور حول العلاقة بين عنصري النجاح والشهرة؛ الأمر الذي دفعنا للتعامل مع هذه العلاقة باعتبارها مسألة جدلية. هل كل فرد ناجح في ميدان معين، يعتبر مشهوراً بشكل تلقائي في ذلك الميدان؟ وهل كل مشهور في مجال ما، بنى شهرته على أساس من النجاح؟ وهل يفقد النجاح قيمته إن لم تثمر عنه شهرة أم أن الشهرة هي التي تفقد قيمتها إن لم تكن مرتكزة على نجاح فعلي؟ وهل النجاح والشهرة عنصران متلازمان بالضرورة أم يمكن فصلهما في عالم الواقع؟

أعتقد أن الأسئلة المذكورة آنفاً تدلل بشكل واضح على حقيقة المنطقة الرمادية بين النجاح والشهرة، هذا الأمر يجعلنا نؤكد أن هذه العلاقة محكومة بمبدأ النسبية، أي أن تقييم هذه العلاقة يعتمد بشكل أساسي على معايير ومؤشرات للنجاح من جهة، يقابلها معايير ومؤشرات للشهرة من جهة أخرى، فهل توجد معايير ومؤشرات ثابتة وموحدة لكل من عنصري النجاح والشهرة ؟

من الصعوبة بمكان الاتفاق على معايير ومؤشرات يتم الاستناد إليها لتحديد مفهوم النجاح ومفهوم الشهرة؛ على اعتبار أن ما يعد نجاحاً في مكان وزمان معينين، قد لا يعد كذلك في زمان ومكان آخرين، وهذا التباين يمكن أن ينسحب على مسألة الشهرة في الوقت ذاته؛ لذلك فإن المسالة برمتها نسبية.

من بين الأسئلة الكبيرة التي نود الإشارة إليها في هذا المقال، هل البيضة من الدجاجة أم أن الدجاجة من البيضة؟ أي هل النجاح يعد مستلزماً لتحقيق الشهرة، أم أن الشهرة هي التي تقود صاحبها إلى منصة النجاح؟ الإجابة عن هذا السؤال تعود بنا إلى النسبية من جديد؛ لأن المسألة تعتمد على نوعية النشاط الذي يزاوله الفرد أولاً، وطبيعة المجتمع المحيط به ثانياً، ومواصفات الفترة الزمنية التي يحيا في إطارها الإنسان ثالثاً، فهناك كثير من الأشخاص، الذين قدموا إنجازات للبشرية، إلا أن إنجازاتهم لم تقدّر من قبل الآخرين إلا بعد مفارقتهم للحياة. هذا الأمر يثبت التأثير البيئي - ببعديه الزماني والمكاني- في توصيف طبيعة العلاقة الرابطة بين النجاح والشهرة.

الأمر الآخر الذي يمكن إثارته بشأن العلاقة بين النجاح والشهرة أن هناك نجاحات يحققها الفرد في مجال علمي أو مهني معين، تقود إلى تحقيق شهرة بين المتخصصين في ذلك المجال، الذي ينتمي إليه الشخص الناجح. هذا يعني أنه ينبغي علينا التمييز بين نجاح في مجال خاص، يحقق شهرة محددة في إطار معين، مقابل نجاح في مجال واسع، يحقق شهرة ذات طابع جماهيري عام.

من جانب آخر، هل هناك نجاح في مجال قيم ومعتبر، ونجاح آخر في مجال تافه؟ هذا السؤال بالذات يعد جدلياً بامتياز؛ لأن ما يعتبره أحدهم نشاطاً قيماً ومعتبراً في الحياة، سيأتي آخر ويعتبره رمزاً للتفاهة ولتبديد الوقت، والعكس بالعكس. كما أن هناك نشاطات لها قيمة في مجتمع معين، في حين تعد متدنية القيمة في مجتمعٍ آخر، لذلك تبقى مسألة التمييز بين المهم وغير المهم، والمفيد وغير المفيد، من المسائل المعقدة العصيّة على التأطير القابل للتعميم.

ختاماً، هذا المقال يوجه رسالة مفادها أن هناك جوانب في الحياة لا ينطبق عليها اللون الأبيض بالمطلق، ولا اللون الأسود بالمطلق، إذ تستقر عادة في منطقة البين بين، لذلك دعونا نؤمن بأن توصيفاتنا الشخصية لطبيعة الأمور، ليست بالضرورة مقنعة للآخرين؛ على اعتبار أن هذه التوصيفات تعتمد على زاوية نظر معينة، وهذه الزاوية تتأثر بما يمتلكه كل فرد من قناعات وتصوّرات ووجهات نظر، تؤثر وتتأثر بمنظومة السمات والصفات والخصائص الشخصية، إلى جانب مجموعة واسعة من الاعتبارات، التي تُسهم في تشكيل شخصيات الناس، وتجعلهم مختلفين في كثير من الأصول والفروع، والاختلاف هنا مسألة نجدها طبيعية، يجب أن نتفهمها، ونتفاعل معها بمستوى عالٍ من القبول والإيجابية.

 

طباعة Email