00
إكسبو 2020 دبي اليوم

درس الميليشيات

ت + ت - الحجم الطبيعي

الدرس الأساسي الذي يجب أن يستخلصه أي عربي عاقل ولديه حد أدنى من الحس الوطني السليم، هو أنه في اللحظة التي تنشأ فيها الميليشيات، يبدأ الوطن في التراجع والسير في طريق التفكك والحرب الأهلية بما يجعل وجود هذا الوطن محل شك كبير.

وحتى لو كانت النوايا سليمة وطيبة في بدايات تكوين الميليشيات، فإنها ستقود الوطن ـ أي وطن ـ إلى هاوية لا فكاك منها، فما بالك إذا كانت فكرة إنشاء الميليشيات لتخريب هذا البلد، وجعله رهينة في يد البلد الأجنبي الذي خطط له وموله.

في البداية ستكون هناك ألف حجة وحجة لتبرير إنشاء وتأسيس الميليشيات.

في بلد ما ستكون هناك حجة وجبهة وهي مقاومة المحتل الأجنبي، لتحرير التراب الوطني من الاحتلال، وفي هذه الحالة لن تكون هناك أي أصوات معارضة، فمن هو الذي يجرؤ على معارضة مقاومة المحتل، بل إن الغالبية العظمى من الناس العاديين، سوف يؤيدون هذه الميليشيات، حتى لو كانوا يختلفون معها في المذهب والدين والقومية، والمصالح، طالما أن الهدف المرفوع هو مقاومة المحتل.

وحينما تنجح هذه الميليشيات في مقاومة إلحاق الخسائر المختلفة بالمحتل تزيد قيمتها في نظر غالبية الناس.

لكن بالطبع فإن هؤلاء الناس، لن تكون لديهم بصيرة سياسية وفكرية ثاقبة، بحيث يكونون قادرين على التيقن من الأهداف الحقيقية لهذه الميليشيات، وهي أنها ستتحول إلى مجرد أداة في يد هذا البلد أو ذاك.

في بلد آخر سوف تكون الحجة هي مقاومة ومواجهة الإرهاب. وفي نفس هذا النموذج أيضاً فإن غالبية الناس المصدومة من انتشار التطرف وزيادة العمليات الإرهابية، التي توقع آلاف القتلى والجرحى من المواطنين، في عمليات عشوائية سوف تؤيد هذه الميليشيات التي تقول لهم إن هدفها هو وقف تقدم هذه التنظيمات الإرهابية، خصوصاً إذا كانت هذه التنظيمات قد تمكنت من السيطرة على بعض المدن والقرى في هذا البلد أو ذاك.

 وحينما تتمكن الدولة بأكملها من الانتصار على هذه التنظميات الإرهابية والتكفيرية، تزعم هذه الميليشيات بأنها لعبت الدور الأكبر في تحقيق هذا الانتصار، وبالتالي يحق لها أن تعيث في الأرض فساداً وهيمنة وبلطجة ولا يحق لأي شخص أو قوة أن تحاسبها على ما تفعل، حتى لو كانت تلغي دور الدولة نفسها.

في نموذج ثالث ستنشأ بعض الميليشيات بحجة مقاومة حاكم ظالم أو مستبد، وسوف ينظر بعض المواطنين نظرة إيجابية خاطئة لهذه الميليشيات. وحينما يرحل هذا الحاكم الظالم، ويسقط نظامه، كان ينبغي أن تتفكك هذه الميليشيات أو يعاد دمجها في الجيش الوطني، لكن ذلك لم يحدث، والنتيجة أن هذه الميليشيات وأمثالها، صارت صاحبة القرار الفعلي في بلدها، أو باعت نفسها لقوة أو دولة أجنبية تأتمر بأمرها، حتى لو كان ذلك على حساب بلدها الأصلي.

في بلد رابع قد تنشأ ميليشيات، لأن البلد تفكك وضعف ولم يعد لديه جيش وطني، أو حكومة مركزية قوية.

وفي كل النماذج السابقة، قد تكون هناك عوامل تبدو موضوعية تبرر ظهور هذه الميليشيات أو تلك، لكن التجربة العملية أن كل التجارب انتهت في المنطقة العربية نهاية مأساوية.

التجربة تقول إنه طالما أن لديك سلاحاً في يدك استخدمته ضد الإرهاب أو المحتل الأجنبي، وإذا لم تسلم هذا السلاح للدولة حينما تنتهي مهمته بفرض أنها كانت مهمة حقيقية، فإن مشكلة خطيرة تنشأ فوراً. استمرار احتفاظ الميليشيات بالسلاح يغري بالهيمنة والسيطرة والتمدد مهما كانت النوايا سليمة في البداية.

في بعض البلدان العربية، فإن هذه الميليشيات صارت قوة ضد قوة الدولة، ولم يعد أحد قادراً على ردعها. وفي بلد آخر فإنها قامت بتعطيل سلطة الحكومة، بل واختطفت عدداً من مسؤولي الحكومة أنفسهم، وفي بلد ثالث اصطدمت هذه الميليشيات ببعضها البعض ودخلت في صراع مسلح.

وفي كل التجارب فإنها استخدمت السلاح للحصول على مكاسب سياسية.

لكن الأخطر على الإطلاق أن غالبية هذه الميليشيات صارت أدوات في يد دول أجنبية تحركها كيفما تشاء في اللحظة التي تشاء. وبالتالي تحولت هذه الميليشيات إلى خنجر في ظهر بلدانها. ونرى أمثلة متكررة كل يوم لبعض هذه الميليشيات تهدد كبار المسؤولين علناً، بل وتتجرأ على استهداف بعض كبار المسؤولين، وهي تعتقد أنها بمأمن من العقاب والمحاسبة.

الخلاصة أن الميليشيات في المنطقة العربية كانت تجربة خاسرة وفاشلة ومدمرة على كل المستويات.

 

* رئيس تحرير صحيفة الشروق المصرية

طباعة Email