00
إكسبو 2020 دبي اليوم

ومضةُ الحلم والتحدي

ت + ت - الحجم الطبيعي

تحاصرك الحيرة وأنت تتذوق طبيعة الومضات القيادية التي ينشرها صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، بسبب عمق التلاحم بين الفكرة والصورة.

فتستمع أوّلاً إلى الفكرة التي يلقيها غالباً صاحب السموّ بصوته الواثق الذي يبعث العزيمة في النفوس، ويشحذ الطاقات نحو مزيد من العمل والإنجاز، ثمّ تُمعن النظر والبصيرة في الصور المرفقة مع الفكرة، فتستبدّ بك الحيرة من أين تبدأ الكلام على المحتوى القيادي للومضة.

والتي يختارها صاحب السموّ بعناية فائقة تحت وسم «ومضات قيادية»، والتي تهدف إلى بناء الحسّ العميق بالمسؤولية لدى أبناء الوطن، وبعث العزائم والهِمم في سبيل مواصلة رحلة العطاء التي هي فحوى الانتماء الصادق لهذا الوطن الطيب المِعطاء.

في هذه الومضة المؤثرة يؤكّد صاحب السموّ على التلازم العميق بين الحلم والإنجاز، وأنّ جميع الإنجازات الكبرى للإنسان في جميع الحضارات كانت في بداياتها أحلاماً تراود مخيلته.

وآمالاً ممتدة في الأفق يسعى الإنسان بكل طاقته لتحقيقها، وكثيرة هي الشواهد التي ذكرها صاحب السموّ على الأحلام التي كانت تسكن قلبه حين كان يعيش في البلاد المتحضرة، وكيف أنه عمل على تحقيقها حين استلم دفّة المسؤولية في بلاده التي سعدت بحكمه، فمطار هيثرو الذي كان أسطورة المطارات في العالم كان هو الحلم الأول الذي داعب مخيلة صاحب السموّ حين كان برفقة والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في لندن في خمسينيات القرن الماضي.

وكيف أنّ هذا القلب الطريّ الغضّ قد صمّم على أن تكون دبيّ ذات يوم هي المدينة التي تشتمل على مطار يزحزح مكانة مطار هيثرو العالمية، وما زال صاحب السموّ يدأب في سبيل تحقيق هذا الحلم حتى تمّ له ما أراد وسعى بكل عزم من أجل تجسيده واقعاً معيشاً يلمسه الناس بأيديهم ولا يبقى مجرد حلم في حجرات الخيال، وقل مثل ذلك في سباق دبي العالمي للخيل الذي كان حكراً على الغرب الأوروبي.

فما زال سموه يبذل أقصى الجهود حتى فازت دبيّ بشرف تنظيم هذا السباق الذي هو الأغلى على المستوى العالمي، حيث تشهد هذه اللؤلؤة اللامعة تظاهرة حضارية كبرى في هذا المجال ويؤمّها فرسان العالم المتقدم، ويجري على مضمارها أعنف منافسة بين الخيول الأصيلة على المستوى العالمي.

وها نحن نعيش في قلب حدثٍ عالمي كان تحقيقه ضرباً بعيداً من الخيال، أعني فوز الإمارات بتنظيم معرض إكسبو 2020 دبي، أكبر معرض عالمي يقام هذه الأيام على أرض دبيّ التي بهرت العالم بالمستوى الرفيع للتنظيم، وبالاستيعاب المذهل لكل الفعاليات الضخمة، التي تؤكد متانة البنية الحضارية لهذه الدولة، وأنها تسير واثقة الخطوات في هذا الطريق الذي اختارته عن وعيٍ وبصيرة.

وفي هذا السياق المحتدم من الأحلام والتحديات نشر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد ومضة قيادية بديعة المحتوى على حسابه في إنستغرام، قال فيها: «إذا كان عندك حلم، وقدرت أن تحلم ببلدك، تقدر توصل لهذا الحلم إذا اجتهدت فيه»؛ فصاحب السموّ لا يقرر الأحلام على الناس بل يتساءل معهم بكل عفوية ومحبة عن إمكانيات وجودها في قلوبهم،.

فالأحلام لا يمكن توزيعها وخلقها في النفوس بل لا بد أن يكون للإنسان أحلامه الخاصة النابعة من بحثه في أعماق نفسه وسعيه الدائب في تطوير قدراته، لأنّ ذلك هو الضمانة لاستمرار العزيمة في تحقيق الحلم الذاتي للإنسان، ثم يربط سموه بين الذات والوطن حين يجعل هذا الحلم متجهاً نحو خدمة الوطن (البلد)، ليقرّر بعد ذلك وبكل حزم أنّ الإنسان قادر على تحقيق هذا الحلم ولكن بشرط الاجتهاد في السعي لتحقيقه، ليكون ذلك توكيداً من صاحب السموّ أنه لا تعويل على الأحلام الفارغة التي لا تكون مصحوبة بالسعي الجادّ.

فإذا لمعت سماء الروح بالحلم وجب على الإنسان التشمير عن ساعد الجد، وبذل أقصى الجهد في سبيل تحقيق الحلم، وأما من ظل منسدحاً على الوسادة فهذا من البطّالين الذين لا يستطيعون تحقيق أقل الأحلام مؤنة وتكلفة. وكم يكرّر صاحب السموّ العبارة الشهيرة الحكيمة التي تبعث العزم وتوقظ الروح حين يقول: «من أراد السيادة فليُخلّ الوسادة».

«ولكن نحن في أول الطريق، طموحاتنا أكبر، ورؤيتنا أبعد»، ولكي يبدّد صاحب السموّ أي إحساس بالاكتفاء بالمنجز على أرض الواقع على الرغم من ضخامته وأصالته ودلالته الصادقة على حجم الجهد المبذول، يؤكد أنّ المسيرة ما زالت في أول الطريق، وأن الطموحات ما زالت أكبر من الأفق المنظور، فكلما تقدمت المسيرة انكشف المدى عن أهداف أكثر أهمية.

وهذا هو سرّ الديمومة والتجدد في طبيعة تفكير صاحب السموّ، فهو لا يعرف التوقف، وكلما قطع مرحلة ناداه لسان الحال قائلاً: الطريق أمامك، والهدف ما زال بعيداً لأن الرؤية الواسعة للقائد لا تكتفي بالأفق المكشوف بل يرى ما لا يراه الآخرون، وهذا هو سرّ التميز والإبداع لدى القائد المبدع المتميز.

«وهذا اللي يحصل كله تحديات، ونحن عايشين على التحديات، كل يوم في تحدّي، ونحن قادرين على ها التحديات»، وبهذه الخاتمة التي تحمل في جوهرها روح التحدي يؤكد صاحب السموّ على أنّ جميع ما يحصل من إنجازات، وجميع ما يعترض المسيرة من عقبات وصعوبات هي في جوهرها نوع من التحديات التي هي سرّ الحياة.

فالحياة في طبيعتها تقوم على هذه الفكرة، والإنسان القوي هو الذي يواجه التحديات ويتجاوزها، لا بل إنّ إنسانية الإنسان وقدراته الخلاقة لا يمكن اكتشافها في السياقات المسالمة الهادئة العادية، بل لا بدّ من وجود التحديات التي تكشف عن الجوهر الأصيل للإنسان، وتُعمّق فيه الحس المرهف بالمسؤولية، نحن حين ننظر في سيرة العظماء من البشر.

وفي مسيرة الحضارات الزاهرة الفاعلة نجد أنّ الحياة الحضارية القوية تقوم على فكرة حضارية عميقة التجذر في الكينونة البشرية هي فكرة «التحدي والاستجابة» التي رسّخها المؤرخ الإنجليزي الشهير أرنولد توينبي في تحليله العميق للحضارات ونشأتها وأفولها، وأن الحضارات الإنسانية الكبرى التي أثّرت بعمق في المسيرة الإنسانية هي الحضارات التي استجابت للتحديات التي واجهتها، وتركت بصمتها من خلال رؤيتها الخاصة التي تحمل روحها الحضارية ونظرتها العقلانية للكون والإنسان.

 

طباعة Email