00
إكسبو 2020 دبي اليوم

صفقة الغواصات الأسترالية تقسم آسيا

في منتصف سبتمبر الفائت أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن إطلاق شراكة استراتيجية مع بريطانيا وأستراليا تحت اسم «أوكوس AUKUS»، تتضمن تزويد الأخيرة غواصات أمريكية تعمل بالطاقة النووية، وفي الوقت نفسه أعلن وزير الدفاع الأسترالي بيتر داتون أن بلاده قررت التخلي عن صفقة عقدتها مع فرنسا بقيمة 56 مليار يورو سنة 2016 لتزويدها بغواصات تقليدية، لأن الغواصات النووية الأمريكية تناسب بلاده بصورة أفضل بحسب قوله.

هذان التصريحان أحدثا ردود فعل سريعة في باريس التي شعرت أنها خرجت من اللعبة خالية الوفاض، بل شعرت أنها طـُعنت في الظهر من قبل حلفائها على حد قول وزير خارجيتها، ومن آيات الغضب الفرنسي سحب باريس لسفيريها في واشنطن وكانبيرا، مع إلغائها حفل استقبال كان مقرراً في واشنطن بمناسبة ذكرى معركة بحرية حاسمة في حرب الاستقلال الأمريكية توجت بانتصار الأسطول الفرنسي على الأسطول البريطاني عام 1781. وبعبارة أخرى أحدثت الصفقة الأسترالية شرخاً في علاقات باريس مع كانبيرا وواشنطن، وهو ما خالف التوقعات القائلة: إن بايدن يعمل على تعزيز العلاقات ما بين ضفتي الأطلسي على عكس سلفه ترامب،

غير أنه من الواضح الآن أن بوصلة بايدن الخارجية مصوبة أكثر نحو المحيط الهادئ حيث يوجد العملاق الصيني، وبالتالي فإن الغرض من تحالف «أوكوس»، الذي وصفه المراقبون بأنه أهم ترتيب أمني بين أطرافه الثلاثة منذ الحرب العالمية الثانية، ليس إلا محاولة لمواجهة النفوذ المتزايد لبكين في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه، بل هو محاولة لدفع العملاق الصيني بألا يفكر في خوض حرب في المحيطين الهادئ والهندي ضد النفوذ الأمريكي، بمعنى أن لندن وكانبيرا سوف تخوضان الحرب مع واشنطن باستخدام غواصات هجومية نووية،

لكن السؤال الذي تردد كثيراً بعد هذه التطورات هو عن موقف دول جنوب وشمال شرق آسيا ذات العلاقة بأمن واستقرار المحيطين الهادئ والهندي.

الحقيقة أن مواقف هذه الدول تباينت، فبعضها قلقة من أن تؤدي هذه التطورات إلى تسريع نشوب صراع مسلح في المنطقة، وبعضها الآخر يرى فيها خطوة ردع للصين لكيلا تقوم بعمل عسكري. في التفاصيل بدت كل من الهند واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان مؤيدة لتحالف «أوكوس»، لكن دون أن يصرح مسؤولوها بذلك علناً.

ورحبت كل من سنغافورة وفيتنام بالتحالف بهدوء دون إصدار بيانات رسمية. وأعلنت الفلبين، الحليف الآسيوي الأقدم لواشنطن، دعمها العلني للصفقة من منطلق كونها حماية ضرورية لأمن المنطقة من أي مغامرات وتجاوزات، أما إندونيسيا وماليزيا فهما الوحيدتان اللتان انتقدتا الصفقة بصراحة ووصفتاها بالتطور المزعزع للاستقرار، بل الذي سيجعل من كانبيرا شرطياً أمريكياً للمنطقة.

على أن هذه المواقف يتوقع أن تتغير وتصاغ في صيغة جماعية واضحة أثناء القمة السنوية لتكل آسيا المقرر انعقادها في نوفمبر المقبل، حيث يـُنتظر أن تشهد القمة حوارات حول المبادئ المتفق عليها في آسيان بشأن عدم انتشار الأسلحة النووية، خصوصاً أن قيام غواصات أسترالية تعمل بالطاقة النووية بدوريات في بحر الصين الجنوبي سوف تثير القوات البحرية الصينية التي قد تشتبك معها وبما يعقد الأوضاع.

هذا ناهيك عن أن تحالف «أوكوس» يُعد، في الواقع، انتهاكاً لمبدأ ZOPFAN (منطقة السلام والحرية والحياد في جنوب شرق آسيا)، الذي تبنته ماليزيا بقوة، ومخالفاً لمعاهدة TAC (معاهدة آسيان للصداقة والتعاون في جنوب شرق آسيا)، التي وقعتها جميع القوى الرئيسية في المحيطين الهندي والهادئ بهدف الإدارة السلمية للنزاعات في المنطقة والامتناع عن عسكرتها، ومضاداً لمعاهدة SEANWFZ الخاصة بجعل جنوب شرق آسيا منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل.

ويبدو أن كانبيرا استشعرت احتمال أن تقود كوالالمبور وجاكرتا شريكاتها في آسيان نحو مواقف منددة بتحالف «أوكوس» فتواصل رئيس حكومتها سكوت موريسون مع قادة البلدين لإقناعهم مبكراً بأن بلاده ملتزمة بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، وأن الغواصات سوف تعمل فقط لتعزيز التوازن الاستراتيجي في المنطقة ليس إلا، وبالتزامن قام سفير أستراليا لدى منظمة آسيان بإصدار بيان أوضح فيه أن «أوكوس» ليس تحالفاً أو معاهدة دفاعية، وأن اقتناء بلاده لغواصات نووية لا يغير من التزامها تجاه الآسيان أودعمها لهذه المنظومة الإقليمية المهمة، نافياً بشكل قاطع عزم أستراليا إنتاج أسلحة نووية، وذلك رداً على تقارير قالت: إن أية غواصة تعمل بالطاقة النووية تعتمد على اليورانيوم عالي التخصيب، وبالتالي فإن الدولة التي تملكها يمكنها إنتاج أسلحة نووية.

 

طباعة Email