00
إكسبو 2020 دبي اليوم

أنت محظوظ يا عزيزي المسؤول

المسؤول هو الشخص المكلف بأمر ما، والسؤال هنا بمعنى المساءلة والمحاسبة لا بمعنى الاستفسار. ولأننا نطلق على كل صاحب وظيفة مسؤولاً، فإن درجة مسؤولية كل موظف تتفاوت وفقاً للدرجة التي يشغلها، ولطبيعة الوظيفة التي يمارسها، وتزداد أهمية هذه الوظيفة كلما كانت لصيقة بمصالح الناس واحتياجاتهم. هنا تصبح الوظيفة أو المسؤولية أمانة على من يحملها أن يكون أهلاً لها، قادراً على أداء واجباتها.

ولأن الوظيفة العامة مسؤولية كبيرة، فقد وضعت دول كثيرة قواعد لأدائها، وأنشأت دواوين ودوائر، واعتمدت آليات لمراقبة المكلفين بها ومتابعة أدائهم ودرجة الأمانة التي يتحلون بها، ومدى حرصهم على مصالح الناس الذين يتعاملون معهم، وسرعة استجابتهم وإنجازهم لأعمالهم كي لا تتعطل مصالح الناس، أو يلحق بهم ضرر نتيجة البطء في الإجراءات أو التأخر في اتخاذ القرارات، أو عدم المرونة في التعامل مع مختلف الحالات.

يحدث هذا في دول كثيرة، وكلما نشطت الأجهزة الرقابية وتابعت أداء أصحاب الوظائف العامة، ارتفعت درجة الشفافية، وارتقت هذه الدول في سلم التنافسية، وارتفعت نسبة رضا المتعاملين، وانخفضت نسبة عدم رضاهم، وقل الترهل في أداء المسؤولين والموظفين بشكل عام.

في الإمارات شكّل كلٌ من المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيّب الله ثراهما، مدرسة في الإدارة، من خلال متابعتهما المستمرة لأداء المسؤولين، وإشرافهما المباشر على تنفيذ المشاريع، وحرصهما الكبير على الالتقاء بالناس للوقوف على احتياجاتهم، ومعرفة درجة رضاهم عن أداء المسؤولين، ومدى تلبية الموظفين العمومين لمطالب البشر. كان الجميع يشاهدونهما في كل مكان، يدشنان مشروعاً هنا، ويتفقدان مشروعاً هناك، ويلتقيان بالناس في كل مكان. لهذا كان مستوى الأداء رفيعاً، وكانت نسبة الإنجاز عالية، وكانت درجة رضا المتعاملين مرتفعة، وكان صرح الوطن يعلو يوماً بعد يوم.

من هذه المدرسة، مدرسة الشيخين زايد وراشد، عليهما رحمة الله، تخرج الأبناء الذين مضوا على النهج نفسه، مستلهمين روحيهما، مضيفين إلى نهجهما ما استجد في علم الإدارة من دروس وفنون حديثة. وكانت مدرسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في الإدارة فريدة ومتميزة. ذلك أن سموه يرى أن أزمتنا في العالم العربي هي أزمة إدارة وليست أزمة سياسة، وأننا بحاجة لإداريين أكثر من السياسيين، يستطيعون إصلاح جزء من الخلل التنموي في المنطقة.

في كتاب «قصتي» يقدم سموه للمسؤولين عشر وصايا في الإدارة الحكومية. يبدأ سموه بالوصية الأولى التي تقول:

«اخدم الناس!

الغاية من الإدارة الحكومية هي خدمة الناس، الغاية من الوظيفة الحكومية هي خدمة المجتمع، الغاية من الإجراءات والأنظمة والقوانين هي خدمة البشر. لا تنس ذلك. لا تمجد الإجراءات، ولا تقدّس القوانين، ولا تعتقد أن الأنظمة أهم من البشر».

هذه الوصية لو استوعبها كل مسؤول حكومي لتغيرت أوضاع كثير من الموظفين الذين يتعامل معهم المسؤولون بنصوص القوانين لا بروحها، يقدسونها معتقدين أن الأنظمة أهم من البشر، ويمجدون الإجراءات متجاهلين أن الغاية من الإدارة الحكومية في مدرسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم هي خدمة المجتمع، لا تعقيد الأمور وسد الأبواب أمام البشر.

وبعد ثماني وصايا أخرى لا تقل الواحدة منها أهمية عن الأخرى، يختم سموه بالوصية العاشرة قائلاً:

«انطلق لبناء الحياة!

نحن محظوظون لأننا نعمل في الحكومات. وظيفتنا ليست وظيفة عادية، وظيفتنا أجمل ما في حياتنا، بل هي الحياة. وظيفتنا عظيمة، نغير من خلالها حياة الملايين نحو الأفضل. لا تستهن بدورك أو عملك أو جهدك، فأنت تعمل في مجال صنع الحياة، وتصميم المستقبل، وبناء الأوطان».

في هذه الوصية رسالة عظيمة لكل مسؤول حكومي، رسالة تقول له إنه محظوظ لأنه يعمل في الحكومة، لكنها تحمّله مسؤولية عظيمة لتغيير حياة البشر نحو الأفضل، ومن كان في يده تحويل حياة إنسان واحد فقط، وليس حياة ملايين البشر، ولم يستخدم ما أودع ولي الأمر في يده من سلطة فسوف يندم عندما تخرج السلطة من يده، أو يخرج هو منها، فالدنيا لا تدوم لأحد، وأمام الديّان سيقف الجميع غداً تنفيذاً لقوله تعالى (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ).

أنت محظوظ يا عزيزي المسؤول لأنك تعمل في حكومة محمد بن راشد الذي لم يطلب منك تقديس القوانين، ولا تمجيد الإجراءات، ولا الاعتقاد أن الأنظمة أهم البشر.

* كاتب وإعلامي إماراتي

طباعة Email